|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
في تلك الليلة التي بدا فيها العالم أضيق من شاشة، وأوسع من ذاكرة، لم يكن الحوار بين الأب وابنه مجرّد تواصل عائلي عابر، بل كان انكشافًا هادئًا لمعنى لا يُقال دفعة واحدة. الابن في البرازيل، وقد صار أبًا، والأب في إحدى دول الخليج، وقد صار جدًّا، وبينهما تاريخ لا يُختصر في سنوات، بل في آثارٍ بقيت حيّة لأنها لم تطلب أن تُرى. حين قال الابن: “رزقنا الله غلامًا يا أبي” لم يأتِ الردّ كما تأتيه التهاني عادة، بل جاء مشوبًا بتؤدة من يعرف أن المولود ليس حدثًا، بل بداية سلسلة طويلة من الأمانات.
قال الأب، بصوتٍ لم يكن تعليمًا ولا توجيهًا مباشرًا: “ليكن بينك وبين زوجك كتاب… تقرآنه معًا، لا ليُعلّمكما، بل ليُضيء بينكما.” لم يذكر اسم كتاب. لم يحدّد عنوانًا. لم يوصِ ببرنامج ولا منهج. ترك الأمر مفتوحًا… كأنما كان يعلم أن بعض الأشياء تأتي وحدها، في الوقت الذي تختاره هي، لا الذي نحدده نحن. سكت الابن لحظة، ثم نهض. لم يَعِد بشيء، ولم يُجادل، بل عاد إلى الغرفة الأخرى، وعاد ومعه كتاب. كتاب لم يكن جديدًا، ولم يكن أنيقًا، ولم يكن مما تُلتقط له الصور. كتاب عتيق، يحمل على جلده أثر السفر، وعلى صفحاته أثر اليد، وعلى روحه أثر النية.
قال الابن: “يا أبي… هذا الكتاب نقرؤه أنا وزوجتي، أم محمد.” توقّف الأب عن الكلام. لم يسأل: من أين؟ لم يقل: متى؟ كأنه كان يعرف أن السؤال في هذه اللحظة سيُفسد الدهشة. فتح الابن الصفحة الأولى. التاريخ: 1987. العنوان: منهج التربية النبوية للطفل. وفي الأعلى… ختم مؤسسة خيرية آسيوية، مكتبة المعهد الشرعي التابع لها.
لم تكن المفاجأة في قِدم الكتاب، بل في رحلته. قال الابن، وكأنه يكتشف الأمر وهو يتحدث: ” هذا الكتاب لم يصلني مباشرة. حملته أمي معها إلى مصر، إلى مسقط رأسها. لم توصِ به، ولم تتحدث عنه، ولم تقل يومًا: احتفظوا به.” لم يكن في الأمر وصية، ولا ترتيب، ولا نية مُعلنة. كان انتقالًا صامتًا، كأن الكتاب يعرف طريقه دون دليل. ومضت السنوات. كبر الابن في مصر. انتقلت الأشياء بين البيوت. ضاع الكثير… وبقي هذا الكتاب. قال الابن: “وحين كبرت، حملته أنا معي… لا لسبب واضح. لم أكن أعلم أنني سأسافر إلى البرازيل. لم أكن أعلم أن هذا الكتاب سيعبر قارة أخرى.”
وهنا، فقط هنا، أدرك الأب أن القصة أكبر من حوار، وأكبر من صدفة. عاد به الزمن إلى عام 1988، حين كان يعمل في تلك المؤسسة الخيرية الآسيوية. لم يكن حينها أبًا. لم يكن يعلم أن ابنه سيولد لاحقًا عام 1992 في تلك الدولة نفسها. ولم يكن يتخيل أن ما كان يراه عملًا يوميًا صامتًا، سيعود بعد 38 سنة ليجلس بينه وبين ابنه، في بيتٍ بعيد، وقارة لا تخطر على البال. قلب الابن الصفحات… وظهرت الهوامش. تعليقات بخطٍ هادئ، دقيق، لا يعرف الاستعراض. قال الأب، بصوتٍ انكسر دون أن يستأذن: “هذا خط أمك بارك الله فيها وفيكم.” لم تكن الأم تكتب لتُعلِّم أحدًا. كانت تقرأ… وتتفاعل… وتضع ملاحظاتها كما يضع الإنسان شيئًا لنفسه ثم ينساه. لكن الخط بقي. وبقيت الكلمات. وبقي الأثر.
وهنا، لم تعد الحكاية عن أسرة فقط، بل عن عملٍ مؤسسيٍ نادر، يفعل ما يجب، ثم ينسحب دون أن يطالب بالتصفيق. مؤسسة تطبع لأنها تؤمن أن الكلمة الصالحة لا تموت. وتترجم لأنها تعلم أن المعنى لا وطن له. وتربّي لأنها تعرف أن الطفل مشروع أمة، لا مشروع تقرير. ثم تختفي… لا إعلان. لا ضجيج. لا استعراض. لتظهر بعد عقود، في حضن أسرة، في بيتٍ بالبرازيل، وفي يد أمٍّ تقرأ مع زوجها، كتابًا لم يُكتب لهما، لكنه وصل إليهما.
ذلك الغلام، محمد، الذي وُلد في 2026، لا يعلم أن في بيته كتابًا سافر قبله بأربعين سنة تقريبًا. لكنه سيكبر في بيتٍ تُقرأ فيه كلمات نُقشت بنيّة، وحُملت بأمانة، ووصلت بلا تخطيط. وهنا، يتجلى المعنى دون أن يُرفع شعار: أن البركة لا تحتاج إعلانًا. وأن التربية الحقيقية لا تصرخ. وأن الرؤية البعيدة المدى لا تُقاس بمدة الخطة، بل بقدرتها على العبور عبر الزمن دون أن تفقد معناها.
انتهى الاتصال. لكن الحقيقة أن القصة لم تبدأ هناك… ولن تنتهي هناك. هي فقط كشفت عن نفسها، في اللحظة التي قررت فيها أن تقول: أنا كنت هنا… منذ زمن طويل. ليس كل ما يُزرع يُرى سريعًا. لكن ما زُرع بإخلاص، لا بد أن يصل… ولو بعد 38 سنة، ولو عبر ثلاث قارات، ولو بصمت أمٍّ، وكتابٍ، ومؤسسةٍ لم تكن تعلم أنها صنعت هذا الجمال.
