حين يخاف الشكر من الضوء

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

“اعترافات مؤسسة لم تُدرَّب على الشجاعة”

في البدء… لم تكن المشكلة فكرةً رديئة، ولا لائحةً مرتجلة، ولا دراسةً هشة. كانت المشكلة أهدأ من ذلك بكثير، وأخطر. كانت جملة شكر خافتة… اختارت الظل. دخلت الرسالة المجموعة الرسمية كما ينبغي لها: لغة مهنية، هدف واضح، رغبة صادقة في رفع كفاءة الأداء. لم تطلب امتيازًا، لم تُزايد، لم تلمّح إلى قرار. قالت فقط: “هنا خلل… وهنا اقتراح.” قرأها الجميع. ومن بينهم من فهمها جيدًا، وأدرك قيمتها، وشعر – في داخله – بامتنان حقيقي. لكنه حين همّ أن يقول: أحسنت نظر حوله… لا بعينيه، بل بخوفه. فكتب الشكر… ثم حذفه. ثم أعاد كتابته… ثم أرسله في الخاص. وهنا… لم تخسر الفكرة شيئًا. لكن المؤسسة خسرت شيئًا لا يُعوّض.

الشكر الذي يُقال سرًا

دعنا نكن صادقين إلى حدّ الإزعاج: الشكر في الخاص ليس تواضعًا. وليس ذكاءً إداريًا. وليس احترامًا للهرم الوظيفي. إنه اعترافٌ مبتور. اعتراف يخجل من الوقوف على قدميه. قال جان بول سارتر: “أقسى أنواع الكذب هو أن تقول نصف الحقيقة خوفًا من بقيتها.” والشكر السري هو نصف حقيقة. لأن الحقيقة الكاملة تقول: “الجهد واضح… سواء أُقِرّ أم لم يُقَر.”

المؤسسة التي تربي موظفيها على الانحناء

لا أحد يعترف بذلك علنًا، لكن بعض المؤسسات تزرع في عقول أفرادها منذ اليوم الأول: “تكلّم بحذر… لا تُظهر رأيك كاملًا… راقب اتجاه الريح قبل أن تقول كلمة.” فتنشأ أجيال: ذكية، مجتهدة، لكنها منكسرة مهنيًا تعرف الصواب، لكنها لا تملكه. وتحفظ القيم، لكنها لا تمارسها. قال ابن خلدون: “الظلم مؤذن بخراب العمران.” وأضيف: والخوف مؤذن بخراب المؤسسات.

الرئيس لا يخاف الشكر

فلنقلها بلا تجميل: القائد الواثق لا يربكه شكرٌ علني. ولا يستفزه رأي. ولا يخلط بين التقدير والتمرد. الذي يخاف هو: من لم يُدرَّب على الاختلاف، من يرى كل كلمة ميزان قوة، من يخلط الهيبة بالهشاشة، قال غاندي: “القوة لا تأتي من القدرة الجسدية، بل من الإرادة التي لا تخشى الصدق.” فكيف بمؤسسة تجعل الشكر يحتاج إذنًا غير مكتوب؟

الخاص مقبرة المواقف النبيلة

الرسائل الخاصة، تحولت – في كثير من المؤسسات – إلى مقبرة للأشياء الجميلة: شكر لا يُعلن، رأي لا يُدافع عنه، دعم يُقدَّم همسًا، وكل ذلك بحجة: “دع الأمور تمر…” لكن الأمور لا تمر. هي تتراكم. ثم تُخرِج يومًا ما: صمتًا عامًا، انعدام مبادرة، خواءً إنسانيًا داخل الهياكل الإدارية قال المتنبي: “ومن يتهيب صعود الجبال.. يعش أبد الدهر بين الحفر.”

ليست مشكلة أخلاق

نحن لا نتحدث عن شخص سيئ، ولا عن نية فاسدة. نحن نتحدث عن: شخصية لم تُبنَ لتقف مستقيمة داخل المؤسسة. شخصية تعلّمت: أن السلامة في الصمت، وأن الذكاء في الانسحاب، وأن النجاة في الوقوف على الهامش وهنا تكمن الكارثة: حين تتحول المؤسسة من مكان يُصنع فيه القرار إلى مكان يُدار فيه الخوف. ماذا لو تغيّر المشهد؟ تخيّل معي هذا البديل: يكتب أحدهم في المجموعة: “أشكر الزميل على هذا الجهد الواضح، دراسة متقنة، بغضّ النظر عن القرار النهائي.” ثم يصمت. لا يطالب. لا يُزايد. لا يضغط. هل انهارت المؤسسة؟ هل سقطت القيادة؟ هل تغيّر القرار قسرًا؟ لا. لكن الذي تغيّر هو: الروح، المناخ الإحساس بالعدل المعنوي قال الرسول ﷺ: “من صنع إليكم معروفًا فكافئوه.” والمعروف هنا هو الاجتهاد.

السكوت لا يحميك… يؤجلك فقط

كثيرون يظنون أن الصمت: يحميهم، يضمن بقاءهم، يقيهم الصدام، لكن الحقيقة المُرّة: الصمت لا يحمي، هو فقط يؤجّل المواجهة مع الذات، ومع مرور الوقت، يتحوّل الموظف م “أنا لا أريد مشاكل” إلى: “أنا لا رأي لي” وهنا تموت المؤسسة ببطء… دون جنازة.

الخلاصة التي لا تُقال في الاجتماعات

إذا أردنا مؤسسات حقيقية، لا مجرد هياكل وأختام، فنحن بحاجة إلى: شكر لا يختبئ، رأي لا يستأذن الخوف، ولاء للحق قبل الأشخاص، قيادات تحتمل الضوء وأفراد يعرفون أن الاحترام لا يعني التلاشي. المؤسسة القوية لا تخاف أن يُقال فيها: أحسنت… أمام الجميع. لأنها تعرف أن: القرار شيء، والعدل شيء آخر، والشكر… روح الاثنين معًا.

كلمة أخيرة… لا تُكتب في التقارير

إذا وجدتَ نفسك تشكر في الخاص، فاسأل نفسك بهدوء: “هل أنا حريص… أم خائف؟” فالفرق بينهما هو الفرق بين مؤسسة تُدار، ومؤسسة تُحترم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top