|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في غرفةٍ ضيقة تتوهج فيها أضواء الأجهزة، كانت الحاجة أم محمد تتنفس بصعوبة، وحين تغلق عينيها للحظة، يختلط صوت أنفاسها بصوت نبض القلوب المحبة لها. هناك، في قلب العناية المركزة، حيث يتراءى الرحيل في لحظات سكونه، كان هناك ما هو أعظم من الألم: إرادة الخير، واستمرار العمل الإنساني الذي لا يعرف توقفًا، مهما عصفت المحن. الرسالة وصلت: “عايزين ذبح عجل دفع بلاء في حدود 2000 ريال”. لوهلة، بدا الخبر بسيطًا، لكنه يحمل في طياته قوة رمزية تضرب بجذورها في أعماق الروح الإنسانية: أن يكون الإنسان سببًا في رفع بلاء عن الآخرين، وأن يجعل من الألم دعوة للعطاء، ومن الضعف فرصة للرحمة. هنا يبدأ المقال الذي لم يستطع أحد كتابته: بين ثنايا الألم والرحمة، بين صرخة الجسد وهدير القلب الإنساني، هناك قصة لم تُروَ.
الإنسانية بين الألم والعطاء
كتب الإمام الغزالي: “الإنسان لا يكتمل إلا بالرحمة.” وقد بدا هذا الكلام حيًّا في تصرفات من حول الحاجة أم محمد. كل نبضة قلب، وكل دعاء صادق، وكل خطوة لإرسال هذا العجل كانت ترجمة صادقة لمفهوم الرحمة الذي عبّره الغزالي قبل قرون. الألم قد يضعف الجسد، لكنه لا يستطيع إطفاء نور العطاء. في العناية المركزة، وبين أجهزة الرصد الطبية، كان هناك من يفكر في كيفية استغلال كل فرصة لإدخال الخير، وكأنها رسالة من السماء: إن ما في اليد من عمل صالح هو ما يرفع البلاء، ولو كان بسيطًا. هذا المفهوم يعكس “خير الناس أنفعهم للناس.” فحتى في لحظات العجز، كانت روح أم محمد تواصل لمس الخير طريقها إلى القلوب.
صورة رمزية حيّة: العجل والبلاء
العجل الذي ذُبح في سبيل دفع البلاء لم يكن مجرد لحم على طاولة، بل أصبح رمزًا حيًا للارتباط بين الألم والعمل الصالح. كل قطرة دم على الأرض كانت تذكيرًا بأن التضحية الصغيرة يمكن أن تكون جسرًا بين الحزن والأمل، بين الضيق والفرج. هذه الصورة الرمزية الحية، التي قد يراها البعض مجرد فعل ديني، هي في الحقيقة درس في الإنسانية: أن نرفع البلاء عن بعضنا البعض، وألا ننتظر أن نكون بصحة جيدة أو في عزّ القوة لنقدم الخير. بل أن نغرس بذور الرحمة حين يكون القلب هو القادر، حتى لو كان الجسد ضعيفًا.
المعنى في زمن المحن
الحاجة أم محمد، رغم الألم، كانت تعلم أن خيرها لم يتوقف. كانت صورة حياتها شهادة على ما عبّر عنه القائل: “الإنسان بلا عمل صالح كالجسد بلا روح.” فكل لحظة ألم، كل نبضة قلب متألمة، كانت تتحول إلى دعوة للخير، وإلى فعل يذكر البشرية بأن الحياة لا تتوقف عند حدود الألم. وفي هذا السياق، يظهر بوضوح ما أكده مصطفى محمود: “العطاء هو سر السعادة، وليس السعادة هي سر العطاء.” فبين أجهزة التنفس الاصطناعي وأصوات الأجهزة، كانت روح الخير تسري في كل مكان، وتمد الجسور بين القلوب، وكأن الألم كان مجرد جسر ليقود الجميع إلى الرحمة.
الألم محفز للخير
قد يظن البعض أن الألم يقتل الإبداع والعطاء، لكنه في الحقيقة يولّد أعمق صور الإنسانية. عندما يضعف الجسد، يظهر القلب أقوى وأصفى. وعندما تختفي القدرة على الحركة، تتضح القدرة على العطاء. كل شخص تبرع، كل قلب اهتم، كل يد ساعدت، كانت شمسًا صغيرة تنير ظلام غرفة العناية المركزة، وتجعل من ألم الحاجة أم محمد مساحة للخير يتعلم منها الجميع. إنها لحظة تذكّرنا بما قاله ابن عربي: “الخير كالزرع، لا يعرف انتظارًا، بل يزهر حيثما تُسقى بذوره.” وهنا، زهر الخير وسط الألم، وتحول البلاء إلى بركة حية، تحمل رسالة عظيمة لكل قلب إنساني.
العطاء والإنسانية
العمل الخيري وسط المحن ليس اختراعًا حديثًا. منذ عهد الأنبياء، كان الرفع عن البلاء جزءًا من رسالة الإنسان على الأرض. قال تعالى: “وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ”. فحتى العطاء البسيط، كالذي بُذل في هذا العجل، هو استمرار لسلسلة عظيمة من العطاء والرحمة التي ارتبطت بالإنسانية منذ فجر التاريخ. وعبّر عنها الفارابي حين قال: “الفضيلة الحقيقية هي ما يبقى أثره في الناس بعد أن تغادر أنت المكان.” فما أرسل من صدقات، وما ذُبح من عجل، ليس فقط لتخفيف البلاء، بل ليبقى أثره في القلوب، ويعلّم البشرية قيمة التضامن والرحمة.
الألم والرحمة وجهان لعملة واحدة
في النهاية، بين صرخة الألم ووشاح الرحمة، كانت الحاجة أم محمد رمزًا حيًا لإرادة الخير في أحلك اللحظات. لم يعد الذبح أو الإنفاق مجرد فعل، بل أصبح تجربة إنسانية حية، تحمل في طياتها درسًا: أن العطاء لا ينتظر الصحة أو القوة، وأن الرحمة ليست فقط شعورًا، بل فعلًا يتنفس في كل لحظة. وفي غرفة العناية المركزة، حيث يلتقي الألم بالأمل، تعلم كل من حولها درسًا لا ينسى: أن الحياة لا تُقاس بعدد اللحظات السعيدة، بل بعمق ما نزرعه من خير في قلوب الآخرين، وأن البلاء مهما كان صعبًا، يمكن أن يصبح بذرة تثمر إنسانية وتضامنًا لا يعرف حدودًا.