ليلةُ النصف من شعبان تتكلم عن نفسها… وعن القيادة

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

أنا لستُ ليلةً عابرة، ولا تاريخًا يُعلَّق على جدار الذاكرة ثم يُطوى. أنا فاصلةٌ بين ما كان وما ينبغي أن يكون، ومرآةٌ تُعرَض أمام القلوب قبل أن تُعرض أمام الأفعال. فيّ لا تُقاس القيادة بعدد التابعين، ولا تُعرف المنازل بكثرة الأضواء، بل بثقل الأمانة حين تُطفأ الأنوار، وسلامة الصدر حين يبتلع الصمت أصداء المجاملة.

أنا ليلة النصف من شعبان، أعرف القادة أكثر مما يعرفون أنفسهم، لأنني أراهم حين يختلون بقراراتهم، وحين لا يبقى بينهم وبين الحق إلا ضميرهم. رأيتُ كثيرين يدخلون القيادة بقلوب واسعة، ثم يضيق صدرهم مع أول خلاف، وأول نقد، وأول اختبارٍ لا يُصفّق له الجمهور. وهنا… يبدأ الفرز الحقيقي. سلامة الصدر ليست ضعفًا، بل شجاعة نادرة. أن تحتمل المخالف دون أن تحقّره، وأن تسمع النقد دون أن تتربص بالناقد، وأن تختلف دون أن تلوّث النية. القائد الذي ضاق صدره، ضاقت به المؤسسة، ولو اتسعت مكاتبه.

أما العدالة… فهي ليست شعارًا يُرفع عند اللزوم، ولا نصًا يُستدعى في الأزمات. العدالة امتحان صامت، يبدأ حين تملك القرار، وينكشف حين يكون الظلم أسهل من الإنصاف. كم من قائدٍ عدل مع الأقوياء، وظلم الضعفاء باسم النظام. وكم من قائدٍ أنصف القريب، وتجاهل البعيد باسم المصلحة. وأنا… لا أنسى. فالقيادة العادلة لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بمن اطمأن في ظلها دون أن يعرف اسمك.

والإنصاف… ذلك الخُلُق الذي لا يعيش طويلًا في بيئات التنافس المريض. المنصف لا يحتاج أن يُحبك الناس، يكفيه ألا يظلمهم. وهو أصعب من العدل، لأنه يتطلب منك أن تُنقص من نفسك قبل أن تُنقص من غيرك. رأيتُ قادةً سقطوا لا لأنهم أخطأوا، بل لأنهم لم ينصفوا. لأنهم رأوا في الاعتراف ضعفًا، وفي التراجع هزيمة، وفي الاعتذار انتقاصًا من الهيبة. وما علموا أن الهيبة الحقيقية تُبنى بالصدق لا بالتصلّب.

أما الكفاءة… فليست كثرة الشهادات، ولا براعة الخطاب، ولا القدرة على إدارة الاجتماعات. الكفاءة أن تعرف متى تقول “لا أعلم”، ومتى تُفوّض، ومتى تتوقف. ألا تقود بما تحب، بل بما يصلح. كم من قراراتٍ فاسدة وُلدت من نوايا طيبة بلا كفاءة، وكم من أزماتٍ كبرى بدأت بقائدٍ أراد الخير لكنه لم يُحسن الطريق إليه. والقيادة، في جوهرها، علمٌ قبل أن تكون حُسن قصد.

ثم الأمانة… وهي تاج القيم كلها. الأمانة ألا تستخدم الموقع لتصفية الحسابات، ولا المنصب لتلميع الذات، ولا الصلاحيات لشراء الولاءات. لأمانة أن تتذكر، كل ليلة، أن ما بيدك ليس ملكك، وأن التاريخ لا يرحم من خان وإن صمت الناس.

أنا ليلة النصف من شعبان، أعرف القائد الأمين من ارتياحه الداخلي، لا من ضجيج إنجازاته. فالأمين ينام مطمئنًا، حتى إن خسر شيئًا من الدنيا، لأنه لم يخسر نفسه. وأقول لكل من يتولى القيادة: لا تكثر من الحديث عن الإخلاص، فالإخلاص يُرى. ولا ترفع راية المبادئ عاليًا، إن كنت لا تحميها في التفاصيل الصغيرة. ولا تفرح بأنك بقيت في موقعك، فالبقاء ليس نجاحًا إن كان الثمن ضميرًا متعبًا. القيادة ليست سباقًا، بل أمانة ممتدة. وليست إثبات ذات، بل حفظ قيم. وليست مهارة إدارة فقط، بل طهارة نية، وسلامة صدر، وعدل لا ينتقي، وإنصاف لا يتلوّن، وكفاءة لا تتكبر، وأمانة لا تساوم.

أنا لا أطلب من القادة أن يكونوا ملائكة، بل أن يكونوا صادقين مع أنفسهم. أن يراجعوا قبل أن يُراجعوا، وأن يُحاسبوا أنفسهم قبل أن تُحاسبهم الأيام. وفي هذه الليلة، لا أكتب قرارات، ولا أغيّر مواقع، لكنني أضع المرآة. ومن شجاعة القيادة أن تنظر… ولا تكسرها.

الختام: أنا، ليلة النصف من شعبان، أترك كل قلبٍ ينظر إليّ يتساءل: هل أنا أقود… أم أُقاد باسم القيادة؟ وهكذا يظل أثر الحوار حيًا، ينبّه كل من تولى زمام الأمور: أن القيادة الحقيقية ليست موقعًا يُشغل، بل أمانة تُحفظ، ونورًا يُنير الطريق للآخرين قبل أن ينير القائد نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top