
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
“القيادة حين تُمتحن بالزمن”
لم يكن اللقاء موعدًا، بل محاسبة. ولم يكن المكان أرضًا، بل ما بين نبضتين في صدر الزمن. هناك، حيث لا تُقاس الأيام بالتقويم، بل بما تركته في الضمائر، التقى نصفُ شعبان الأوّل بنصفِ شعبان الثاني.
قال الأوّل – وكانت نبرته تشبه أوّل فكرةٍ صادقةٍ قبل أن تُلوَّث: جئتُ محمّلًا بالنيّات. كنتُ وعدًا، ورجاءً، وبداية طريق. كنتُ لحظة اتفق فيها القلب والعقل أن القيادة تكليف لا تشريف، وأن من تقدّم خطوةً إنما تقدّم لِيُحاسَب أكثر.
ابتسم الثاني، ولم تكن ابتسامته رضا ولا سخطًا، بل حكمة من رأى النتائج: وأنا جئتُ مثقلًا بما صار. أحمل آثار القرارات، وندوب التسويات، وأعرف كم من نوايا صادقة تغيّرت حين طال الطريق، وكم من قائدٍ بدأ لله… ثم أنهكه التصفيق.
سكت الزمن قليلًا، ثم سأل الأوّل: قل لي، هل خانت القيادة عهدها؟ أم أن العهد كان أثقل مما توقّعنا؟
أجاب الثاني: القيادة يا أخي لا تُخون دفعة واحدة. إنها تنزلق… خطوةً خطوة. تبدأ بتبرير صغير، ثم صمتٍ عن حق، ثم قبول ما لا يُقبل “مؤقتًا”، حتى يصبح المؤقت نمطًا، ويغدو الاستثناء نظامًا.
قال الأوّل، وفي صوته شيء من حزن العارفين: كنتُ أظن أن وضوح الرؤية يكفي. أن من عرف المقصد لا يضل الطريق.
ردّ الثاني: الرؤية وحدها لا تحمي. الذي يحمي القيادة هو المراقبة الداخلية. أن يشعر القائد أن الله أقرب إلى قراره من أقرب مستشاريه. هنا تغيّر الهواء، كأن الحوار انتقل من تحليلٍ إلى شهادة.
قال الأوّل: كنتُ أرى القيادة خدمة. أن يتقدّم الإنسان ليحمل عن غيره، لا ليُحمل على الأكتاف.
قال الثاني: وأنا رأيتُ كيف تتحوّل الخدمة عند بعضهم إلى امتياز، وكيف يصبح المنصب “حقًا مكتسبًا”، لا أمانة قابلة للسحب متى انحرف الميزان.
سأل الأوّل، وكأنه يسأل كل من سيقرأ بعد قرون: فما معيار القيادة الصادقة إذن؟
أجاب الثاني بلا تردد: ثلاثة أمور لا تخطئ:
- القرار عند الكلفة: هل يختار الحق إذا خسر؟
- الصمت عند المغنم: هل يتراجع إذا كان التقدّم لغير الله؟
- العدل عند القدرة: هل يُنصف من لا يملك صوتًا؟
تنفّس الأوّل بعمق، وقال: إذن ليست المشكلة في غياب الكفاءات؟
ابتسم الثاني ابتسامة العارف بما لا يُقال في التقارير: أبدًا. العالم ممتلئ بالكفاءات، لكنه شحيح في الأمناء. وأضاف: الكفاءة بلا أمانة خطرٌ ذكي، والأمانة بلا كفاءة عبءٌ حسن النيّة، أما القيادة، فلا تقوم إلا بمن جمع الحسنيين. هنا اقترب نصفا شعبان، كأن المسافة بين البداية والنهاية تقلّصت.
قال الأوّل: هل ندمتَ على شيء؟
قال الثاني: نعم… على لحظاتٍ سكتُّ فيها بحجّة الحكمة، وكان الصواب أن أتكلم بحجّة الأمانة.
قال الأوّل بصوتٍ خفيض: وأنا ندمتُ على ثقةٍ منحتُها بلا متابعة، وعلى حسن ظنٍ لم أُحطه بنظام. ثم قال، وكأنه يكتب وصيّة للعالم: لو عاد بي الزمن، لجعلتُ المحاسبة رفيقة النية، والحوكمة توأم الإخلاص.
قال الثاني: ولو عاد بي الزمن، لذكّرتُ القادة كل يوم أن أعمارهم أقصر من مناصبهم، وأن التاريخ لا يحفظ النوايا، بل الآثار.
ساد صمتٌ طويل، ليس صمت عجز، بل صمت اكتمال. ثم قال نصف شعبان الأوّل: إذن، ماذا نقول لمن يقود اليوم؟
قال نصف شعبان الثاني: قولوا له: لا تسأل كم بقي لك في الموقع، بل كم بقي لك في الميزان. لا تسأل ماذا حققت، بل ماذا حميت. ولا تفرح بأنك لم تُهزم، حتى تتأكد أنك لم تُفسد. وتابع: وقولوا له: إن القيادة الحقيقية هي أن تستطيع المغادرة وأنت مطمئن أن القيم بقيت، وأن المؤسسة لم تتعلّق باسمك.
ابتسم الأوّل أخيرًا، وقال: هكذا نلتقي… أنا وعدٌ صادق، وأنت شهادة عادلة.
ثم قالا معًا، كأن الزمن نفسه يوقّع البيان: القيادة التي تبدأ لله، ولا تُراجع نفسها، لن تنتهي إليه. والقيادة التي تُحاسب نفسها كل يوم، وإن تعثّرت، فهي على الطريق.
وانسحب نصفا شعبان، كلٌّ إلى مقامه، وبقي الحوار معلّقًا في ضمير كل قائد، وفي سؤالٍ واحد لا يشيخ: هل أنا أقود… أم أُقاد باسم القيادة؟