|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
في مساءٍ كويتيٍّ مبلّلٍ برائحة البحر وهدوء البيوت العامرة بالذكر، كان الرابع من رمضان 1447 يطرق الأبواب برفق. في الحادي والعشرين من فبراير 2026، لم تكن الدعوة إفطارًا عابرًا، بل كانت رسالة وفاء تمشي على قدمين، وتحمل في يدها تمرًا ولبنًا، وفي قلبها اسمًا غاب جسدًا وحضر روحًا.
في بيت الغالية أسماء غريب – أم شهد – إلى جوار زوجها الكريم أحمد الشرقاوي، كان الضوء مختلفًا. ليس ضوء المصابيح، بل ضوء النية.
“قلبي ينفطر حزنًا بقدوم إيمان ومحمود من غير حضرتك…”
جملة خرجت من قلب أمٍّ، لا من هاتف. وكانت كفيلة أن تزلزل مسافاتٍ بين بلدين، وأن تثبت أن الحضور ليس مسافة تُقاس بالكيلومترات، بل مقدار يُقاس بالحب.
على مائدة الإفطار، كان التمر أول الشهود.
ثلاث حبات ربما، لكنها كانت تختصر تاريخًا من الصحبة. اللبن بجواره، كأنما يقول: “البدايات دائمًا بسيطة، لكن أثرها عميق.” السوبيا، ببياضها وهدوئها، كأنها سكينةٌ تُسكب في الكؤوس. وقمر الدين، بلونه البرتقالي الوهاج، يذكّر بأن للشمس طعمًا حين تُجفف في الذاكرة.
ثم جاءت المائدة…
كبسة الدجاج تتوسط المكان كقلبٍ نابض، وبجوارها الدقوس كصوتٍ حارٍّ يعلن أن للحياة نكهةً لا تكتمل إلا ببعض الصراحة. وجلاش باللحم المفروم، طبقات فوق طبقات، كأنها تقول إن العلاقات الصادقة لا تُبنى بطبقةٍ واحدة، بل بصبرٍ وتراكم عطاء. وسلطة الطبقات… “سلطة آل غريب” كما يحلو تسميتها، لم تكن مجرد طبق، بل شجرة عائلةٍ مفرودة على صحن، كل طبقة لون، وكل لون حكاية، وكل حكاية امتداد.
وبعد الإفطار…
كركٌ يغلي كأحاديث القلوب حين تطمئن. وشايٌ أخضر كسلامٍ داخلي لا يشيخ. وبسبوسة تُذكّر بأن الحلاوة الحقيقية ليست في السكر، بل فيمن قدّمها. أما “النوايا”… فكانت أجمل ما على الطاولة؛ نوايا صافية، بيضاء، متوضئة.
لكن الحقيقة أن الكرسي الفارغ لم يكن فارغًا. كان اسمي – كما قالت أم شهد – حاضرًا في الكلام والدعاء. وكانت الدموع التي سالت من عينيها شهادةً بأن الغياب قد يُوجع، لكنه لا يُنقص. تقول أم شهد: “يعلم الله حضرتك معانا في كل وقت وحين…” وهل بعد شهادة أمٍّ شهادة؟
لقد علّمتني تلك الليلة معنى الوفاء. أن تُغادر بلدًا دون تصريحٍ لمائدة، لكن تبقى مائدتك محفوظة في القلوب. الكويت… يا نصف العمر الذي عشته بين ناسٍ ما عرفتُ فيهم إلا طيبًا. كم من البيوت فتحت أبوابها، لكن بيت أسماء وأحمد لم يفتح بابًا فقط، بل فتح صدرًا.
أحمد الشرقاوي… الرجل الذي يضع الوقار في يمينه واللطف في يساره.
وأسماء… التي لم تكن يومًا مضيفة طعام، بل مضيفة أرواح.
إيمان ومحمود، الأبناء الذين حضروا تلك الليلة، لم يكونوا أبناء بيتٍ فقط، بل أبناء علاقةٍ ممتدة؛ جسرًا بين جيلين، يحملان البراءة والوفاء معًا.
قال أحد الحكماء المغمورين في قريةٍ بعيدة: “إذا أردت أن تعرف قدرك، فانظر من يبكي غيابك لا من يصفق حضورك.” وفي تلك الليلة، عرفت قدري. وقال شيخٌ مسنٌّ في إحدى زوايا العالم: “المائدة التي تُذكر فيها الأسماء الغائبة، هي مائدةٌ محفوظة في السماء.” وأيقنت أن تلك الليلة كُتبت في سجلٍّ لا يمحوه الزمن.
حين وصلني صوت أم شهد باكيًا:
“عمو الغالي وتاج رأسي… كلماتك أوجعتني وجعلتني أنفجر بالبكاء…” لم أجد إلا الصمت. لأن بعض العلاقات لا تُرد بالكلمات، بل تُحفظ بالسجود.
أسماء… يا ابنة إسماعيل الغالي ووفاء الغالية، أنتِ لا تقدمين طعامًا، أنتِ تقدمين ذاكرة. ولا تصنعين مائدة، بل تصنعين وطنًا مؤقتًا لكل من يجلس. الحب الذي يجمعنا ليس حبَّ مجاملات، ولا حبَّ صورٍ تُلتقط. إنه حبٌّ تشكّل على مهل، من جلسات دعاء، ومن أحاديث بعد العشاء، ومن ابتسامات عابرة لكنها صادقة. هو حبٌّ يعرف قدر الكبار، ويحفظ مكانة الغائب، ويقدّر المعروف ولو بعد حين.
ولا أنسى – بل لا يجوز أن أنسى – فضل الغالي الدكتور إسماعيل غريب،
الرجل الذي كان سببًا في امتداد هذه العلاقة الطيبة. هو من عرّف الأرواح ببعضها، فصارت المعرفة نسبًا، والنسب مودة، والمودة عمرًا إضافيًا يُكتب في القلوب. قال أحد العظماء الذين لم يعرفهم الإعلام يومًا: “أجمل الصداقات تلك التي تبدأ بمعرفة، ثم تتحول إلى دعاء.” ود إسماعيل كان باب المعرفة، فصار الدعاء بيننا عادة.
يا أسماء…
في تلك الليلة لم أكن غائبًا. كنت في دعائك، وفي دمعتك، وفي كل مرة قلتِ: “اللهم اجمعنا على خير قريبًا.”
ويا أحمد…
كنتُ أراك وأنت تستقبل الضيوف بهدوئك المعهود، كأنك تقول: “الرجال لا يُقاسون بصوتهم، بل بثباتهم.”
ويا إيمان ومحمود… كبروا على الوفاء، فهو الإرث الحقيقي. رمضان لا يجمع الناس بالطعام فقط، بل يعرّي القلوب، ويُظهر معدنها. وقد ظهر معدنكم ذهبًا خالصًا.
اللهم يا جامع الناس ليومٍ لا ريب فيه، اجمعنا على خيرٍ قريب، وأدم بيننا مودةً لا تنقطع، واحفظ بيت أسماء وأحمد من كل سوء، وألبس أبناءهم شهد وحنين الصحة والعافية، واكتب لهم من الفرح ما يملأ أعمارهم. اللهم بارك في الغالي الدكتور إسماعيل غريب، الذي كان سببًا في هذا الخير الممتد، فاجعل له من كل ودٍّ زرعه نصيبًا من الرحمة، ومن كل علاقةٍ طيبةٍ سهمًا في ميزان حسناته. اللهم كما جمعتنا على مائدةٍ في الدنيا بالمحبة، فاجمعنا على مائدةٍ في الجنة بالرضا، حيث لا فراق، ولا غياب، ولا دمعة اشتياق. آمين يا رب…
ودمتم في القلب وطنًا لا يُغادر.