|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
خرجتُ من التراويح الليلة…
لكنني لم أخرج كما دخلت.
كان في صدري شيءٌ يشبه الامتلاء الذي يسبق البكاء،
وسكينةٌ غريبة كأنها يدٌ خفية وضعت على قلبي وقالت:
“اهدأ… لقد رآك الله.”
في الليلة الخامسة رأيتُ وجوهًا مضيئة بين البشر،
أما الليلة السادسة…
فلم أرَ وجوهًا.
رأيتُ غيابًا.
رأيتُ مكانًا في الصف الأول لم يكتمل.
وسجادةً مطويةً في الزاوية، كأنها تنتظر صاحبها الذي تأخر أو رحل.
ورأيتُ فراغًا في صفوف المصلين،
لكنه لم يكن فراغًا…
كان ذكرى.
أدركت أن بعض الناس لا يُنسون لأنهم كانوا يتصدرون المشهد،
بل لأنهم كانوا يملؤون القلوب وهم صامتون.
في السجود هذه الليلة،
لم أدعُ كثيرًا…
كنتُ أسترجع أسماءً.
أسماءً رحلت،
أصواتًا كانت تقول “آمين” خلف الإمام،
وارتعاشات أيدٍ عجوزة كانت تسبقنا إلى السماء.
تذكرت قولًا عابرًا قرأته يومًا:
“أعظم الحضور… أن تبقى في الدعاء بعد أن تغيب عن الحياة.”
الليلة السادسة لم تكن دمعةً تُرى،
كانت شوقًا لا يُفسَّر.
شعورًا بأن بيننا وبين السماء خيوطًا أدقّ من أن تُلمس،
وأقوى من أن تنقطع.
في الركعة الأخيرة…
طال السجود قليلًا،
وكأن الإمام شعر أن القلوب لم تفرغ بعد.
هناك – في السجود –
لم أطلب دنيا،
لم أطلب نجاحًا،
لم أطلب شيئًا يُقال.
قلت فقط:
“يا الله… لا تجعلنا عابرين في حياة بعضنا.
اجعلنا أثرًا طيبًا إذا حضرنا،
وذكرى رحمة إذا غبنا.”
شعرتُ أن السماء أقرب مما نظن.
أن الله لا ينظر إلى ازدحام الصفوف،
بل إلى ارتجاف القلب.
لا إلى طول الدعاء،
بل إلى صدقه.
المدينة بعد التراويح كانت هادئة،
لكن داخلي لم يكن كذلك.
كان ممتلئًا بوجوهٍ غابت،
وأرواحٍ ما زالت تحضر في الدعاء.
فهمتُ أن رمضان ليس فقط موسم حضور،
بل موسم تصفية.
أن الله يُخففنا من ضجيجنا،
ويعيدنا إلى حقيقتنا الأولى:
عبدٌ بين يدي ربّه،
لا يملك إلا قلبًا،
ولا يرجو إلا رضا.
المعلّقة السادسة لا تُكتب بالحبر…
تُكتب بالشوق.
باسمٍ تهمس به في السجود.
بدمعةٍ لا يعرف سببها أحد.
بإحساسٍ أنك أقرب إلى الله حين تضع جبهتك على الأرض،
مما تكون وأنت واقف على قمم الدنيا.
اللهم…
إن كان بيننا من غاب جسده وبقي أثره،
فاجعل أثره نورًا في قبره.
وإن كان بيننا من حضر بقلبٍ متعب،
فاجعل هذه الليلة شفاءه.
وإن كنا نحن الغائبين يومًا،
فاجعل لنا في قلوب الناس دعاءً لا ينقطع.
وما زال في رمضان بقية…
لكن الليلة السادسة علّمتني
أن أجمل ما في الحياة
أن نُحبّ في الله،
ونغيب في الله،
ونرجو الله…
وكفى.