|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
لم تكن الليلة السابعة شبيهةً بما قبلها.
لم يكن فيها بكاءٌ ظاهر،
ولا ارتعاش يد،
ولا وجوهٌ تتلألأ كما رأينا.
كانت هادئة…
هادئة إلى حدٍّ أربكني.
دخلتُ المسجد وكأن شيئًا ينتظرني،
لا في الصفوف،
بل في الداخل…
في ذلك المكان الذي لا يصل إليه أحد.
صلّى الإمام، وقرأ آياتٍ عن الإخلاص،
لكنها لم تمرّ على أذني،
مرّت على نيّتي.
شعرتُ فجأةً أن الله لا يسألني الليلة:
كم ركعة صليت؟
ولا كم دمعة ذرفت؟
بل يسألني:
لمن فعلت؟
ارتجف السؤال في صدري.
كم من عملٍ ظننته خالصًا،
وكان في أعماقه ظلٌّ صغير يريد أن يُرى؟
كم من كلمةٍ قلتها “لله”،
لكنني تمنّيتُ بعدها أن يسمعها الناس؟
الليلة السابعة لم تكن مواجهةً مع العالم،
كانت مواجهةً مع نفسي.
في السجود،
لم أستطع أن أطلب شيئًا.
كان الدعاء ثقيلًا…
كأن لساني لا يريد أن يتحرك حتى يتطهّر قلبي أولًا.
أدركت أن أعظم العبادة
أن تُطفئ داخلك الرغبة في الظهور.
أن تفعل الخير…
وتنساه.
أن تُحسن…
ولا تنتظر أثرًا يُقال.
أن تُحب…
ولا تنتظر مقابلًا.
تذكرت قولًا لا أعرف صاحبه،
لكنه سكن قلبي:
“إذا علمتَ أن الله وحده يراك… استحيت أن يراك على غير صدق.”
في الركعة الأخيرة،
أطال الإمام الدعاء،
وكان الناس يؤمّنون بصوتٍ واحد،
لكنني كنتُ صامتًا.
لم أستطع أن أقول “آمين”
قبل أن أقولها لنفسي.
يا رب…
إن كنتُ عبدًا يحبك حقًا،
فانزع من قلبي حبّ أن يُقال عني إني أحبك.
يا رب…
اجعلني خفيًّا كما تحب،
صادقًا كما ترى،
نقيًّا كما خلقتني أول مرة.
خرجتُ من المسجد،
ولم يكن في وجهي نورٌ ظاهر،
ولا في عيني دمعة،
لكن داخلي كان يتطهّر…
ببطءٍ عجيب.
الليلة السابعة لا تُرى،
ولا تُسمع،
ولا تُحكى كثيرًا.
هي تلك اللحظة التي تُغلق فيها باب غرفتك،
ولا يبقى بينك وبين الله أحد،
وتكتشف أن أعظم معاركك
لم تكن مع الناس…
بل مع نفسك.
المعلّقة السابعة ليست قصيدة.
هي سرّ.
سرٌّ بينك وبين الله،
لا يكتبه قلم،
ولا يلتقطه تصوير،
ولا يُروى في مجلس.
هو تلك اللحظة
التي تختار فيها الصدق
حتى لو لم يصفّق لك أحد.
اللهم…
إن كانت أعمالنا مختلطةً بشيءٍ من ضعف البشر،
فطهّرها بلطفك.
وإن كان في نوايانا شائبةٌ لا نراها،
فاكشفها لنا برحمةٍ لا بفضيحة.
واجعل هذه الليلة بداية صدقٍ جديد،
نلقاك به خفافًا من كل رياء،
ثقيلين فقط بحبك.
وما زال في رمضان بقية…
لكن الليلة السابعة علّمتني
أن الطريق إلى الله
لا يُقاس بطول المسافة،
بل بنقاء النيّة.