الليلة الثامنة: حين كتب الله اسمك في الغيب… قبل أن تعرف نفسك

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

لم تكن هذه الليلة صلاةً فقط…
كانت كشفًا.

دخلتُ المسجد وكأنني أدخل إلى سرٍّ قديم،
شيءٌ ما كان مختلفًا…
ليس في الصوت،
ولا في الصفوف،
بل في الشعور الذي يسبق الشعور.

الليلة الثامنة لم تسألني عن عملي،
ولا عن دموعي،
ولا عن إخلاصي.

سألتني سؤالًا أقدم من عمري:
هل تذكر يوم اخترتك؟

ارتجفتُ.
أي يومٍ هذا؟
أي اختيار؟

ثم مرّت آيةٌ كأنها لم تُتْلَ على مسامعنا…
بل على أرواحنا.
شعرتُ فجأةً أنني لم آتِ إلى رمضان صدفة،
ولم أصلِّ هذه الليلة باجتهادٍ مني،
بل لأن الله – في لحظةٍ لا أعرفها –
كتب اسمي في قائمة القادمين إليه.

كم من بشرٍ عاشوا أعمارًا كاملة
ولم يذوقوا هذا القرب؟
وكم من قلوبٍ نبضت
لكنها لم ترتجف بين يدي الله؟

الليلة الثامنة ليست عنك…
هي عن اصطفاءٍ لا تراه.

في السجود،
لم أقل شيئًا طويلًا.
قلت فقط:
يا رب…
إن كنتَ قد دعوتني إليك،
فلا تردّني إلى نفسي.

شعرتُ أن بيننا وبين الله قصةً أقدم من الدعاء.
قصة بدأت يوم نفخ فينا الروح،
يوم علّمنا أسماء لا نذكرها الآن،
يوم شهدت أرواحنا ما لا تتذكره عقولنا.

تذكرتُ فجأةً أن أعظم النعم
ليست أن تُعطى…
بل أن تُهدى.

وأن أعظم الهدايا
أن يُفتح لك باب الطاعة
وتشعر أنك كنت ستضيع لولا أن الله أمسك بيدك دون أن تدري.

في الركعة الأخيرة،
لم أبكِ.
لكنني شعرتُ أن شيئًا داخلي يُعاد ترتيبه.
كأن فوضى السنوات
تتراجع خطوة،
وكأن قلبي يُعاد إلى مكانه الصحيح.

الليلة الثامنة ليست لحظة حزن،
ولا نشوة فرح،
هي وعي.

وعيٌ بأنك عبدٌ مختار للرحمة،
لا مستحقًا لها.
وأنك إن تُركت لنفسك لحظةً،
لما وجدت الطريق.

خرجتُ من المسجد…
وكان الهواء مختلفًا.
لم يكن أبرد،
ولا أصفى،
لكنني أنا كنت مختلفًا.

أدركت أن الخلود لا يكون بأن يذكرك الناس،
بل بأن يذكرك الله.
أن تبقى قصتك مكتوبة في صحيفةٍ لا تراها،
لكنها تُفتح يوم لا ينفع فيه إلا ما صدق.

المعلّقة الثامنة لا تُقرأ كما تُقرأ الكلمات.
هي تُحسّ كما يُحسّ القدر.
هي تلك اللحظة التي تدرك فيها
أنك لم تختر الطريق إلى الله…
بل الله هو من اختارك للطريق.

اللهم…
إن كان لنا عندك ذكرٌ في الغيب،
فاجعله ذكر رحمة لا ذكر حساب.
وإن كتبتَ أسماءنا في ليالي القرب،
فلا تمحها بزلةٍ أو غفلة.
واجعل هذه الليلة بداية عهدٍ لا ينكسر،
وقصة قربٍ لا تنتهي،
وأثرًا يبقى…
حتى يوم نلقاك.

وما زال في رمضان بقية…
لكن الليلة الثامنة علّمتني
أن أعظم ما يحدث في حياتنا
هو ما يحدث في الغيب…
حين يختارنا الله له،
ونظن أننا نحن الذين اخترناه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top