ليلةٌ تتسعُ للعالم: حين صار مجلسُ أبو تركي روايةَ الدوحة في رمضان

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

في الدوحة، حين يهبط رمضان، لا يهبط وحده… ينزل معه صوتُ المآذن وهي تهمس بالسكينة، وتنزل معه رائحة الهيل من فناجين القهوة، وتمشي في طرقاتها نسائم لا تُرى، ولكن تُحَسّ، كأن المدينة كلها تصوم عن الضجيج وتفطر على الرحمة. كانت الدعوة كريمةً بقدر صاحبها… من الفاضل أبي عبد الله ناصر الخال، مساء الخميس، ليلة التاسع من رمضان 1447هـ، الموافق 26 فبراير 2026، ليلة جمعةٍ يغسلها الدعاء، وفي وقتٍ متأخر بعد صلاة التراويح، عند العاشرة والنصف مساءً، حيث يهدأ الجسد وتستيقظ الروح. الوجهة: مجلس محمد أحمد جاسم فخرو أبو تركي. ولم يكن المجلس مكاناً فحسب… كان ذاكرةً حيّة تمشي على قدمين.

حين وصلنا، لم يكن الاستقبال حركة أيدٍ تصافح، بل ابتساماتٍ تُطمئن. بسماتٌ رقيقة كأنها خُلقت لتقول: “أهلاً بك قبل أن تقول السلام.” دارت القهوة العربية في الفناجين كما يدور المعنى في القلب، تمرٌ يلين بين الأصابع كما تلين الكلمات في حضرة المحبة، شايٌ هادئ لمن يريد التأمل، وشاي كرك تفوح منه رائحة الهيل كأنه توقيع الدوحة على دفتر الكرم. قال أحد الحكماء: “المجلس الحقيقي لا يُقاس بعدد الكراسي، بل بعدد القلوب التي تغادره أخفّ مما دخلت.” وفي تلك اللحظة، أدركتُ أنني في مجلسٍ يُخفّف الأثقال.

كانت الغبقة بحرية… وكأن الخليج كلّه حضر ليجلس على المائدة. بياخ، وكرجفان، وصافي، وصلصة كنعد تتلألأ كأنها حكاية صيادٍ عاد لتوّه من عمق البحر، وأرزٌ أبيض يرافقها بهدوء، وأرزٌ أصفر مُحمر بالدبس، يختلط فيه الحلو بالمالح كما تختلط في الحياة التجارب بالآمال. باكورة وسَمبوسة، ليستا مجرد مقبلات، بل افتتاحية دفء. وسلطة طبقات، كوكتيلٌ من البنجر والذرة الصفراء والكريمة، تتعانق الألوان كما تتعانق الأجيال في هذا المجلس. بصلٌ شرائح، وسلطة خضار كأنها بستانٌ صغير جاء ليشاركنا الجلسة.

ثم جاءت المائدة الثانية…جيلي جلاتين البقر يرتجف بخفة، كريم كراميل يستقر بطمأنينة، وكيك بالشوكولاتة يذوب كما تذوب المسافات بين الغرباء حين تصدق النية. لكن الطعام، على جماله، لم يكن بطل الحكاية. البطل كان الحوار.

جلستُ إلى جوار أبي عبد الله ناصر الخال، وكان حديثه يمشي بوقار السنين. قال: ” أكثر من عشرين عام… لم تكن بيوتٌ متلاصقة كما الآن، كانت بيوتًا متفرقة، وعددنا لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة. كنا نجلس في المجلس الصغير… نجتمع لأننا نحب الاجتماع، لا لأننا نبحث عن حضور.” توقّف قليلًا، ثم أضاف بابتسامةٍ تعرف معنى النمو: ” ثم بدأ الزوار يأتون… سفراء، وجهاء، محبّون، عابرون يبحثون عن دفء. كل خميس كان العدد يزيد، وكأن المجلس شجرةٌ قررت أن تكبر.” تأملتُ عبارته الأخيرة. الشجرة لا تكبر لأن أحداً أمرها… تكبر لأنها متجذّرة.

في زمنٍ تُبنى فيه العلاقات بسرعة الرسائل، كان هذا المجلس يُبنى على بطء اللقاء. كل خميس…
ثباتٌ يشبه وعدًا غير مكتوب. ومع ازدياد العدد، لم يضق المكان. العجيب أن الروح تتّسع كلما حضر المزيد. صدق من قال: ” البيوت الكبيرة تُسكنها الجدران، أما المجالس الكبيرة فتسكنها القلوب.” وهنا، كانت القلوب كثيرة.

رمضان في الدوحة ليس زينة أضواء فقط، بل زينة معانٍ. الطرقات هادئة، لكن المجالس نابضة.
الليل طويل، لكن الأرواح أقرب. في تلك الليلة، شعرتُ أن المجلس ليس مبنى، بل فكرة. فكرة أن العطاء لا يحتاج إعلانًا، وأن الكرم لا يُرفع له شعار. رأيتُ شبابًا يجلسون بجوار كبار السن، يتبادلون الحديث كما لو كانوا أبناء مدرسة واحدة اسمها “الخبرة”. رأيتُ ضيفًا يدخل مترددًا، ويخرج وكأنه عاد إلى بيته القديم. ولعل أعظم ما في المجلس أنه لا يسأل: من أنت؟ بل يقول: تفضّل.

سألتُ أبا عبد الله: ” ما سرّ هذا الثبات؟” أجاب بهدوء: ” النية.” ثم أضاف: “حين تجتمع القلوب لله، يحفظ الله المجلس.” كانت كلماته بسيطة، لكنها أثقل من خطبٍ طويلة. تذكرتُ قول أحد الحكماء: “المكان الذي يُذكر فيه الله، يُكتب له عمرٌ أطول من أعمار أهله.” وهذا المجلس، بذكره، وبدعائه، وبضحكاته النظيفة، يكتب لنفسه عمرًا آخر.

الدوحة في تلك الليلة لم تكن مدينةً فقط، كانت روايةً مفتوحة. والمجلس كان فصلًا من فصولها الجميلة. رائحة البحر في الأطباق، رائحة الهيل في القهوة، رائحة الخشب في المجلس، رائحة السجاد التي تختزن سنواتٍ من الجلسات… كل شيء كان يقول: هنا تاريخٌ يُصنع بهدوء. ليس تاريخًا يُكتب في الصحف، بل تاريخًا يُحفر في الذاكرة.

مع اقتراب منتصف الليل، لم أشعر أن الوقت تأخر. كان الزمن يجلس معنا. ضحكاتٌ خفيفة، حكايات عن البدايات، تذكّرٌ لأيامٍ كان المجلس فيها صغيراً وعدد الحضور قليلاً… لكن الفكرة كانت كبيرة منذ البداية. وهنا أدركتُ سرّاً آخر: المجالس العظيمة لا تبدأ عظيمة… تبدأ صادقة.

حين هممتُ بالمغادرة، التفتُّ إلى المكان مرةً أخيرة. رأيتُ فناجين القهوة وقد خفّت، الأطباق وقد هدأت، لكن الوجوه ما زالت مضيئة. قلتُ في نفسي: ليست الغبقة هي التي تُشبع… بل المعنى. وليست الدعوة هي التي تُدهش… بل روح الدعوة. وليس المجلس هو الذي يكبر… بل أثره.

إن كتبتُ عن تلك الليلة بلغة الصحافة، لقلتُ: دعوة كريمة، حضور مميز، مائدة بحرية فاخرة. لكن الحقيقة أكبر من ذلك. كانت ليلةً تُثبت أن في الخليج مجالس لا تزال تحفظ المعنى، وأن في الدوحة رجالًا يؤمنون أن الكرم رسالة، وأن في رمضان فرصةً ليعود الإنسان إلى إنسانيته. مجلسٌ قلّ أن يتكرر… حبٌ وراحة نفسية وعطاء، بلا ضجيج. ولعل العالم كله يحتاج إلى مجلسٍ كهذا… ليتذكر أن العلاقات لا تُبنى بالإعلانات، بل بفنجان قهوة صادق، وبابتسامةٍ تقول: ” أهلاً بك… لقد كنتَ منتظَرًا”.

وفي ختام تلك الليلة التي تشبه آيةً من السكينة، لا يليق بالقلب إلا أن يرفع كفَّيه… اللهم يا واسع الفضل، يا من جمعتنا على مائدةٍ من رزقك، وتحت سقفٍ من كرمك، اجعل هذا المجلس مجلسَ خيرٍ وبركةٍ وذكرٍ دائم. اللهم بارك لأبي تركي، وبارك لأبي عبد الله ناصر الخال، وبارك لكل يدٍ صافحت، وكل قلبٍ حضر، وكل نيةٍ أخلصت. اجعل ما قُدِّم في تلك الليلة صدقةً جارية، ونورًا في البيوت، وسعةً في الأرزاق، وطمأنينةً في الصدور. اللهم كما جمعتنا في رمضان على المحبة، فاجمعنا في كل حين على طاعتك، ولا تجعل بيننا إلا الودّ، ولا في صدورنا إلا الصفاء، ولا في ختام أعمارنا إلا حسن اللقاء.

اللهم احفظ قطر وأهلها، وأدم عليها نعمة الأمن والإيمان، واجعل مجالسها عامرةً بذكرك، معمورةً بالخير، واجعل لنا في كل مجلسٍ نصيبًا من نورك، وفي كل لقاءٍ أثرًا من رحمتك. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعل هذه الليالي شاهدةً لنا لا علينا… واكتب لنا فيها نصيبًا من القرب، ودمعةَ خشوع، ودعوةً لا تُرد. آمين يا رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top