الليلة العاشرة: حين ودّعنا البدايات… وبدأنا حقًّا

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

لم تكن الليلة العاشرة ليلة عددٍ يُكمِل عدًّا،
بل كانت بابًا يُغلِق خلفه ثلثًا من العمر…
ويفتح أمامه ما تبقّى من القلب.

عشر ليالٍ مضت،
لكنني أشعر وكأن الله كان يعيد صياغتي حرفًا حرفًا،
يمحو شيئًا،
ويكتب شيئًا،
ويُبقي شيئًا لم أكن أعرف أنه فيّ.

في الليلة الأولى جئتُ أبحث عن رمضان،
وفي العاشرة…
شعرتُ أن رمضان هو الذي يبحث عني.

وقفتُ في الصلاة،
وكان في صدري وداعٌ خفيف،
ليس حزنًا،
بل يقظة.

أدركتُ فجأةً أن ثلث الشهر مضى،
وكأن الله يسألني برفق:
ماذا تغيّر فيك؟

ليس كم ختمةً قرأت،
ولا كم ركعةً صليت،
بل:
هل صار قلبك ألين؟
هل صار لسانك أصدق؟
هل خفّ ثقلُ الدنيا في روحك؟

الليلة العاشرة لم تكن دمعةً فقط،
كانت مراجعة.

في السجود،
شعرتُ أنني أضع جبيني على الأيام العشرة الماضية،
أعتذر عمّا كان فيها من غفلة،
وأشكر عمّا كان فيها من نور.

يا رب…
إن كان في بدايتي فتور،
فاجعل ختامي حضورًا.
وإن كان في أول الطريق تردّد،
فاجعل بقيته يقينًا.

في الدعاء،
لم أطلب أن يُطيل الله رمضان،
بل طلبت أن يُطيل أثره فيّ.

لأن المشكلة ليست أن ينتهي الشهر،
بل أن ينتهي فينا قبل أن ينتهي في التقويم.

خرجتُ من المسجد،
والمدينة تمضي كعادتها،
لكنني كنتُ أشعر أن شيئًا كبيرًا حدث…
بلا ضجيج.

فهمتُ أن ختام الثلث الأول
ليس محطة راحة،
بل جرس تنبيه.

أن الله يمنحنا عشر ليالٍ
لنستيقظ،
فإن استيقظنا…
فتح لنا الأبواب الأوسع.

وإن لم نستيقظ،
مرّت الأيام كما تمرّ الغيوم،
لا تمطر القلب.

المعلّقة العاشرة ليست نهاية،
هي انتقال.

انتقال من عادة العبادة
إلى روح العبادة.
من تكرار الركعات
إلى حضور اللحظة.
من عدّ الليالي
إلى وزن القلوب.

اللهم…
يا من بلّغتنا عشرًا من رمضان،
لا تجعلنا من الذين مرّ عليهم الشهر مرور العابرين.
اجعل هذه الليلة فاصلةً بين ما كنّا عليه،
وما تريدنا أن نكونه.
اكتب لنا بدايةً جديدةً لا تنطفئ بانتهاء الشهر،
وقلبًا إذا انقضى رمضان
بقي في رمضان.

الليلة العاشرة علّمتني
أن أعظم الخسارة
أن ينتهي الثلث الأول
ولا ينتهي شيءٌ من غفلتي.

وما زال في رمضان بقية…
لكن من لم يولد في العشر الأولى،
فليولد الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top