الليلة التاسعة: حين سجدت الأشياء معنا… ولم ننتبه

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

لم تكن الليلة التاسعة طويلة…
لكنها كانت أعمق من أن تُقاس بالوقت.

دخلتُ المسجد، وكل شيء يبدو عاديًا:
المصاحف في أماكنها،
الصفوف منتظمة،
صوت الإمام هادئ كما اعتدناه.

لكن شيئًا خفيًّا كان يحدث…
شيئًا لم يُرَ،
ولم يُسمع،
ولم يخطر على قلب بشر.

حين كبّر الإمام،
شعرتُ أن التكبيرة لم تصعد من حناجرنا فقط،
بل ارتفعت من الجدران،
من السجاد،
من الهواء ذاته.

كأن الأشياء التي لا روح لها
كانت أكثر حياةً منا.

في الركوع،
لم يكن انحناء الأجساد هو المشهد الأعظم،
بل انحناء الغفلة.
شيءٌ في داخلي انكسر بلطف،
كأن كبرياءً قديمًا ذاب دون ضجيج.

وفي السجود…
حدث ما لا أستطيع تفسيره.

لم أشعر أنني أضع جبهتي على الأرض،
بل شعرت أن الأرض هي التي تحتضن رأسي.
كأنها تقول لي:
“كلنا سجود… فلماذا تتأخر أنت؟”

تذكرتُ أن الله قال إن كل شيء يسبّح بحمده،
لكننا لا نفقه تسبيحهم.
الليلة التاسعة جعلتني أفقه شيئًا…
ولو لمحة.

أدركتُ أن المشكلة لم تكن يومًا في صمت الكون،
بل في ضجيجنا نحن.

النجوم تسبّح،
الأشجار تسبّح،
المطر إذا نزل يسبّح،
حتى الألم حين يزورك… يسبّح.

وأنت؟
أحيانًا تمرّ بك الحياة
ولا تذكر الله إلا حين تضيق بك.

في الدعاء،
لم أطلب نعمة،
ولم أهرب من همّ.
قلت فقط:

يا رب…
علّمني أن أكون مثل الأشياء التي خلقتها،
تسبّحك دون أن تُرى،
وتطيعك دون أن تتفاخر،
وتسجد لك ولو لم ينتبه إليها أحد.

الليلة التاسعة لم تكن بكاءً،
كانت دهشة.

دهشة أن الكون كله في طاعة،
وأنا أتعلم الطاعة ببطء.

خرجتُ من المسجد،
ونظرتُ إلى السماء.
لم تكن مليئةً بالنجوم أكثر من المعتاد،
لكنني شعرتُ أنها أقرب.

كأنها تقول:
“كل شيء يسير إلى الله…
فلا تتأخر.”

المعلّقة التاسعة لا تُكتب بالحروف،
بل بالوعي.

وعيٌ بأنك لست وحدك في العبادة،
وأنك إن سجدت بصدق،
سجد معك الكون كله…
وشهدت لك الأرض التي وضعت عليها جبينك.

اللهم…
إن كانت الليالي تمضي سريعًا،
فلا تمضِ قلوبنا عنك.
وإن كان كل شيء يسبّح بحمدك،
فاجعلنا منهم.
واجعل سجودنا شهادةً لنا لا علينا،
واجعل الأرض التي نحملها تحت أقدامنا
تحمل عنا يوم نُحمل إليها.

وما زال في رمضان بقية…
لكن الليلة التاسعة علّمتني
أن أعظم سرٍّ في الحياة
أن تكون جزءًا من تسبيحٍ كونيٍّ عظيم…
وتدرك أخيرًا
أنك لم تكن تصلي وحدك أبدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top