الساعة 2:07 فجرًا…حين انقسم العمر إلى ما قبل أمي وما بعدها

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

ذلك الرقم الصغير الذي يمر على ساعة الهاتف في ليالٍ كثيرة دون أن يلتفت إليه أحد، لكنه في قلبي لم يعد مجرد وقت. منذ الثلاثاء 8 مارس 2011 صار هذا الرقم جرسًا خفيًا في الذاكرة، يوقظ في داخلي ليلةً لم تنطفئ، ويعيدني إلى لحظةٍ انقسم فيها العمر قسمين: عمرٌ كانت فيه أمي تمشي على الأرض… وعمرٌ صرتُ فيه أبحث عنها في السماء.

كان الفجر ساكنًا على غير عادته، كأن الليل نفسه يتهيأ لخبرٍ لا يريد أن يقوله. هاتفٌ يرنّ في ذلك الوقت المبكر لا يحمل عادةً بشارة، لكن القلب مع ذلك يحاول أن يطمئن نفسه. رفعت الهاتف، فكان صوت زوج شقيقتي يحمل في نبرته ارتجاف الحقيقة قبل أن ينطق بها. لحظة قصيرة… جملة قليلة الكلمات… لكن وقعها كان كأن الزمن كله توقف، وكأن الهواء في الغرفة صار أثقل من أن يُتنفَّس.

قالها… وانتهى كل شيء.

أغلقت الهاتف، لكن الليل لم يُغلق. بقيت الكلمات معلّقة في المكان كغيمة لا تمطر ولا تنقشع. في تلك اللحظة لم أشعر أنني فقدت إنسانًا فقط، بل شعرت أن جزءًا من الأرض التي كنت أقف عليها قد انزاح، وأن البيت الذي كان يحمينا جميعًا قد فقد سقفه الدافئ. رحلت أمي… الكلمة سهلة على اللسان، لكنها حين تمس القلب تتحول إلى معنى لا يُحتمل.

بعد خمسة عشر عامًا، ما زالت تلك اللحظة تسكنني كما أنها حدثت البارحة. الزمن يا أمي يمضي سريعًا في كل شيء… إلا في الحنين. الحنين لا يعرف التقويم، ولا يحسب السنوات. هو يسكن في تفاصيل صغيرة: في رائحة بيت قديم، في دعاء كانت شفتاك تهمسان به، في طريقة نداءٍ لا يستطيع أحد أن يقلدها. كنتِ يا أمي شيئًا أكبر من أن يُختصر في كلمة “أم”. كنتِ بيتًا حين تضيق البيوت، وطمأنينةً حين تضطرب الدنيا، ويدًا خفيةً تمسح عن القلب ما لا تراه العيون.

كان صوتك حين تنادينني يحمل من الحنان ما يكفي ليعيد ترتيب العالم كله. وكنتِ حين تدعين لنا ترفعين يديك إلى السماء بثقةٍ لا تعرف الشك، كأنك تعلمين أن الدعاء طريقٌ مختصرٌ بين قلب الأم وربها. لم أفهم حينها لماذا كان الناس يقولون إن الجنة تحت أقدام الأمهات. كنت أسمع الحديث كما يسمعه الناس جميعًا، لكنني لم أكن أدرك معناه العميق. اليوم فقط، بعد أن غبتِ، فهمت أن الجنة ليست وعدًا بعيدًا فقط… بل كانت شعورًا يسكن البيت حين تكون الأم فيه.

حين كنتِ تمشين في البيت، كان السلام يمشي معك. وحين كنتِ تدعين، كانت الطمأنينة تنزل على القلوب كالمطر. يقول أحمد شوقي: “الأم مدرسة إذا أعددتها… أعددت شعبًا طيب الأعراق. لكنني حين أتذكر حياتك يا أمي أشعر أن الكلمة أعمق من المدرسة. المدرسة تعلّم بالعقل، أما الأم فتعلم بالقلب. أنتِ لم تعلمينا بالكلمات فقط، بل بالأفعال الصغيرة التي كانت تبدو عادية، لكنها كانت في الحقيقة دروسًا لا تُنسى. علمتنا الصبر دون أن تشرحي معناه. وعلمتنا الكرم دون أن تذكري تعريفه. وعلمتنا أن الرحمة ليست فكرة تُقال، بل يدٌ تمتد حين يحتاجها أحد.

كنتِ إذا رأيتِ فقيرًا تغير صوتك، وكأن قلبك يسبقه إليه. وإذا مرض أحد في البيت، كانت عيناك تسهران قبل الجميع. كأنك كنتِ تعتقدين أن الله قد وضع في قلبك جزءًا من مسؤولية هذا العالم. ولذلك حين رحلتِ، شعرت أن شيئًا من الرحمة قد غادر المكان معك.

يقول جبران خليل جبران: “الأم هي كل شيء في هذه الحياة، هي التعزية في الحزن، والرجاء في اليأس، والقوة في الضعف.” كنتُ أقرأ هذه الكلمات قديمًا فأجدها جميلة، لكنني لم أكن أعلم أنها وصف دقيق لحقيقةٍ عشتها. فحين كنتِ معنا، لم نكن ننتبه إلى أن العالم قد يكون قاسيًا، لأن وجودك كان يخفف قسوته.

الأم لا تمنع الألم عن أبنائها، لكنها تجعلهم قادرين على احتماله.

خمسة عشر عامًا يا أمي… لكنني كلما مرّ هذا التاريخ يعود بي القلب إلى تلك الليلة، إلى ذلك الهاتف، إلى ذلك الصمت الذي ملأ الغرفة بعد الخبر. أحيانًا أتساءل: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش كل هذه السنوات دون أن يسمع صوت أمه؟ ثم أكتشف أن صوتك لم يغب تمامًا. ما زال يسكن في داخلي حين أقول دعاءً كنتِ ترددينه، أو حين أفعل شيئًا كنتِ تحبينه. كأن الأمهات لا يرحلن بالكامل؛ إنهن يتركن شيئًا من أرواحهن في قلوب أبنائهن، ليبقى أثرهن حيًا. لقد فهمت بعد رحيلك أن الإنسان لا يعرف قيمة النعمة إلا حين تصبح ذكرى. كنتِ في حياتنا شيئًا بديهيًا، كالشمس التي تشرق كل صباح. لم نكن نفكر في غيابها، لأن وجودها كان يبدو دائمًا.

لكن حين غابت الشمس… عرفنا كم كان الضوء عظيمًا.

الليلة، بعد خمسة عشر عامًا، أجلس مع ذكراك كما يجلس إنسان مع كتابٍ قديمٍ عزيز عليه. أقلب صفحاته ببطء، وأقرأ بين سطوره تفاصيل صغيرة: ضحكتك، دعاءك، نصائحك التي كانت تبدو بسيطة لكنها كانت تختصر الطريق. وأدرك أن أعظم ما تركته الأم في حياة أبنائها ليس الأشياء… بل الأثر. الأثر الذي يبقى في القلب، في السلوك، في الدعاء.

يا أمي… إن كان بيننا الآن طريقٌ من الكلمات يصل إلى السماء، لقلت لك أشياء كثيرة. كنت سأقول لك إن الدنيا مضت، لكن دعاءك ما زال يسبق خطواتي. وسأقول لك إن الأيام علمتني أن قلب الأم لا يُعوَّض، وأن الفراغ الذي يتركه لا يملأه شيء. وسأقول لك إنني كلما رأيت أمًّا تمسك يد ابنها في الطريق، أشعر أن العالم ما زال بخير، لأن في الأرض قلوبًا تشبه قلبك.

يا أمي… خمسة عشر عامًا مرّت منذ تلك الليلة، لكنني ما زلت حين يمر الوقت 2:07 فجرًا أشعر أن الزمن يبطئ قليلًا، كأنه يهمس لي: هنا كانت لحظة الرحيل. لكنني تعلمت شيئًا مهمًا… أن الرحيل ليس نهاية الحكاية. فما دام الدعاء يصل، وما دامت الذكرى حيّة، وما دام القلب يذكر صاحبه بالخير… فإن العلاقة لا تنقطع.

رسالتي إليك اليوم، بعد كل هذه السنوات

 يا أمي…إن كان في السماء مكانٌ تسمعين فيه أصوات أبنائك، فاعلمي أن دعاءك ما زال يسكن حياتنا، وأن ذكرك ما زال يضيء في قلوبنا كما كان. نسأل الله أن يكون قد بدّل تعبك راحة، وصبرك نورًا، ودموعك فرحًا في جناته. اللهم اغفر لها، وارحمها، وأكرم نزلها، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، واجمعنا بها في دارٍ لا فراق بعدها. سلامٌ عليكِ يا أمي… يوم ولدتِ، ويوم عشتِ في قلوبنا رحمةً، ويوم رحلتِ وتركتِ في حياتنا أثرًا لا يزول. وسلامٌ عليكِ… حتى نلتقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top