الليلة التاسعة عشرة: حين يهمس الليل بصدقٍ لا يُرى… والنور يولد من بين الصمت

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

الليلة التاسعة عشرة…
ليست مجرد رقم في التقويم،
بل لحظةٌ يتوقف فيها الزمن قليلاً،
كي يسمع القلب ما لا يُسمع بالآذان.

خرجتُ من التراويح،
والشوارع خالية إلا من صدى الخطوات…
لكن في داخلي مدينةٌ لا تهدأ،
كل زاويةٍ فيها تنبض بأصوات الدعاء الخفية،
والنوايا الصادقة التي لم يلاحظها أحد.

في هذه الليلة،
تكتشف أن رمضان لا يمنحنا الفرح في الصخب،
ولا القوة في الأفعال الظاهرة،
بل في الخفاء… في اليد التي رفعت ولم تُصوَّر،
وفي الدمعة التي سقطت دون أن يراها أحد،
وفي القلب الذي آمن بلا شهود، وأحب بلا حدود.

رأيت رجلاً يمد يده في الظلام،
كأنه يدعو لا لشيء يُرى…
بل لسرٍ يعرفه هو وربه.
ورأيت امرأةً تجلس وحيدةً في مصلى خافت،
تقرأ آيةً… وتبتسم… كأن ابتسامتها صلاة،
ونورها رقراقٌ، يخفّف عن العالم كل ما لم يراه أحد.

تذكّرت قول ابن القيم:
“أعظم الأعمال تلك التي لا يراها إلا الله.”
وهنا، في الليلة التاسعة عشرة،
أدركت أن رمضان يُعلّمنا أن الصدق لا يحتاج شهودًا،
وأن النور لا يحتاج إلى إشعال،
فهو يولد من بين صمت القلب، وصدق النية، وروحٍ تعرف قيمتها أمام خالقها.

الليلة التاسعة عشرة تعلّمنا أن العظمة الحقيقية ليست فيما نراه،
بل فيما يخترق الروح ويزرع فيها يقينًا لا يُطفأ.

عدتُ إلى مقر الإقامة،
والمدينة ساكنة،
لكن داخلي يضجّ بألوانٍ رقراقة…
نورٌ خفي… دمعةٌ صادقة… دعاءٌ لا يزول.

ما زال في رمضان بقية…

اللهم اجعلنا في هذه الليلة من الذين يعرفون الخفاء،
ويزرعون نورًا رقراقًا في القلوب،
ويصنعون صدقًا لا يزول،
واجعلنا من الذين يُكتب لهم القرب منك…
ولا يملّون الانتظار لما عندك من رحمة وفضل.

آمين يا ضياء القلوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top