الليلة العشرون: حين يلتقي الليل بالقلب… ويُشرق الصمت بنور لا يُرى

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

الليلة العشرون…
ليست مجرد رقمٍ في دفتر الأيام،
بل نقطةٌ يتساقط فيها كل ما هو زائف،
ويبقى ما هو صادق… رقراق، حيّ، ينبض.

خرجتُ من التراويح،
والقمر يتأمّلني من عليائه،
والهواء يحمل أسرار المدينة بصمتها،
لكن داخلي كان أعمق من كل هذا،
يتوق لأن يرى ما لا يُرى،
ويشعر بما لا يُحسّ إلا القلوب الطيبة.

في هذه الليلة،
تتعلم أن رمضان لا يُقاس بالصلاة الطويلة،
ولا بالعدد الكبير من الركعات…
بل بصدق الانقياد،
وبالنية التي لا تعرف الرياء،
والدعاء الذي يخرج من صميم القلب قبل الشفاه.

رأيت رجلاً يجلس في الصف الأخير،
يده على صدره، عينه تتّبع السقف،
كأن صمته هو أعظم ذكر لله.
ورأيت امرأةً تكتم دمعةً،
لكن ابتسامتها كانت أبلغ من أي صلاة مسموعة.
ورأيت طفلًا يرفع رأسه بلا معرفة…
لكنه يعرف، بطريقةٍ غامضة،
أن الله يسمعه قبل أن يفكر.

تذكّرت قول ابن القيم:
“إذا أحب الله عبدًا، عرّفه قلبه قبل عقله.”
وهنا، في الليلة العشرون،
أدركت أن كل نورٍ رقراق في الصمت،
وكل دعاءٍ مخفي،
وكل دمعةٍ صامتة،
هي شهادة صادقة بين العبد وربّه،
لا تحتاج شاهداً إلا قلبه.

الليلة العشرون تعلمنا أن العبادة ليست حركة…
بل حضور.
ليس قراءةً فقط…
بل شعور.
ليس خروجًا من الصف…
بل دخولًا إلى عمق الروح.

عدتُ إلى مقر الإقامة ،
والمدينة نائمة،
لكن قلبي كان في صلاةٍ مستمرة…
نفسه تتوق…
وروحه رقراق…
ونوره يتسلّل إلى كل زوايا ما حوله.

ما زال في رمضان بقية…

اللهم اجعل هذه الليلة شاهدة لنا لا علينا،
واجعل قلوبنا مضيئة كما أضاءت قلوب الصادقين،
وادخل في صدورنا طمأنينةً لا تزول،
واجعل دعاءنا رقراقًا يصل إليك قبل أن يُنطق،
وارزقنا يقينًا لا يخبو،
وشوقًا لا ينقطع،
ونورًا يسبق كل خطوة إلى رضوانك.

آمين يا من لا يُخيب دعاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top