|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
عقب صلاة المغرب يوم الجمعة، وبينما كانت المدينة تغرق في خيوط الغروب الذهبية، أمسكت الهاتف مرتجفًا، وإذا بخمس مكالمات فائتة من صديق لم يعتد أن يطرق هاتفي بهذه الكثرة. شعور غريب اجتاحني، كأن الأرض تراجعت تحت قدمي للحظة، وكأن نبض المدينة قد توقف مع وقع تلك الأرقام المتكررة. اتصلت به، وترددت قبل أن أسمع صوته، الصوت الذي اعتدت عليه منذ سنوات طويلة، صوت يفيض بالسكينة والحياة، وكان يقول بهدوء: “أبو عبد الرحمن الهاجري بعافية.” تلعثمت الكلمات على لساني، ثم همست في حيرة: “لا… أبو عبد الرحمن توفي؟” جاء الصمت بيننا أثقل من أي خبر سابق، ثم قلت بصراحة: “صديقي… هات من الأخر، هل توفي؟” فجاءت الإجابة كصاعقة على قلبي: “نعم… إنا لله وإنا إليه راجعون.” توقف الزمن للحظة، شعرت أن كل شيء حولي أصبح هزيلًا، وأن كل ألوان المدينة باهتة، وكل أصواتها خافتة، إلا صدى الكلمات في داخلي: “إنا لله وإنا إليه راجعون.”
في الطريق إلى المنزل، اتصلت بالعائلة فورًا، حيث كنا في السوق، لأخبرهم بالخبر المثقل على القلب. استسمحتهم بأن يكتفوا بالتسوق، فكان الصمت جوابهم، تلازمته بهدوء: “إنا لله وإنا إليه راجعون… سبحان الله… قلبك حاسس منذ يومين.” عدت إلى البيت مسرعًا، نزلت العائلة عند البناية، وتركنا بعض الوقت لنستوعب الرحيل. ثم توجهت إلى صديقي لنذهب معًا إلى المستشفى الأميري، حيث جسد الرحيل ينتظر أن نودعه، وقلبه مبتسم رغم الرحيل، كأن ابتسامته الأخيرة تمنحنا قوة لنتقبل الحقيقة. كل خطوة في الطريق كانت مليئة بالذكرى والحنين، وكل نفس يحمل الدعاء الصامت: “اللهم ارحمه واغفر له واجعل مثواه الجنة.”
وصلنا إلى المستشفى، وهناك، في غرفة خافتة الإضاءة، كان أبو عبد الرحمن مستلقيًا مبتسمًا بابتسامته المعهودة، تلك الابتسامة التي لا تخبرك بالموت، بل تشع دفئًا وسكينة، كأنها رسالة أخيرة لكل من حوله: “لا تحزنوا… كل شيء على ما يرام.” اقتربنا منه بهدوء، وكل خطوة كانت صدى على جدران الغرفة، اقتربنا وقبلناه من جبهته، موقف مهيب يملأه الاحترام والحب والسكينة، كأن الزمن توقف ليشهد على عظمة الروح التي لا تموت، وعلى لحظة وداع تتجاوز الكلمات. كانت ابتسامته أقوى من أي صمت أو دمعة، تجسد روح الوفاء وسكينة النفس، وتترك في القلب أثرًا خالدًا، شعورًا بأن الحب والوفاء الحقيقيين يتجاوزان حدود الحياة والموت.
بعد قليل، تحركت سيارة المستشفى حاملة جثمانه نحو الأدلة الجنائية في الفروانية، رحلة قصيرة لكنها أثقل من أي مسافة على الروح، كل لحظة فيها كانت تغمرنا بالسكينة والحزن معًا. أما نحن، فقد ركبنا سيارة صديقنا الثالث، صامتين جميعًا، وكل لحظة تمر كأنها لوحة رسمها القدر بمداد الحزن والنور. الضوء الخافت من نوافذ السيارة كان يرسم على وجوهنا ظلال الوجوم والسكينة، في حين بدت الشوارع أطول من أي طريق عرفناه، كل متر فيها يثقل الروح ويستحضر الذكريات. ثم ارتجف صوته، صديقنا الذي عرف أبو عبد الرحمن منذ سنين طويلة: ” لقد بكيت في حياتي مرتين… المرة الأولى عند سماع خبر وفاة والدي، واليوم… بعد سماع خبر رحيل أبو عبد الرحمن.”ابتسمت له، وقلت: “والنعم عبد اللطيف… والنعم. لقد عرفنا معاني الوفاء والحب الصادق من خلاله، وسيبقى أثره خالدًا فينا.”
كل منا صامت، لكن كل قلب ينطق بالدعاء الصامت، وكل نفس يحمل شوقًا أخيرًا لتوديع صديق عظيم، لم يكن مجرد إنسان، بل كان نبضًا يسري فينا، ضياءً لا يخبو، وذكرى لا تموت. حضور روحه كان حيًا معنا في كل لحظة، في صمت السيارة، في ضحكة ذكرى سابقة، في دمعة خافتة تتسرب من عيوننا دون إذن، كأن الرحيل نفسه صار مرآة للحياة، يعلمنا أن الحب الحقيقي لا يزول، وأن الوفاء يظل حاضرًا.
وفي صباح اليوم التالي، عند الساعة العاشرة، أخذناه إلى مقبرة الصليبخات برفقة إخوته الكرام، وكل قلب مثقل بالوفاء والحزن. هناك، في المغسلة، كان المشهد أكثر حميمية وروحانية مما يمكن للكلمات وصفه: المختصون بالغسل، رجال تفيض نفوسهم بالاحترام والتقدير، يغسلون الراحل بعناية وهدوء، كأنهم يغسلون زهرة نادرة بين أيدي الحكماء. جسده مستلقي برقة، كطفل لا يعي الرحيل، بينما كل حركة من هؤلاء الرجال تنطق بالحب والسكينة، وكل قطرة ماء تحمل دعاء صامتًا لغفرانه وراحة روحه.
كان الجو محملاً بالحزن، لكنه في الوقت نفسه مفعم بالوفاء، كل حجر في المقبرة، وكل نسمة هواء، وكل شعاع شمس صباح كان يشهد على الرحمة والكرامة التي منحنا إياها هذا الوداع الأخير. لم تكن هذه مجرد طقوس غسل ودفن، بل درسًا حيًا في الاحترام والوفاء، وفي تجسيد الحب الصادق الذي يتجاوز حدود الحياة والموت.
ثم الصلاة على الراحل، والدفن، حضور كوكبة من الكرام من دول الخليج، يدعون له بالرحمة والمغفرة، وكأن السماء نفسها تشاركنا الدعاء. في تلك اللحظة، فهمت معنى الخلود، ليس في الجسد، بل في أثر الإنسان على من حوله، في كل ذكرى، في كل ابتسامة، وفي كل قلب لمسناه بحياته. قال أحد الحكماء: “الإنسان الذي عاش بحب يموت كما تموت الشمعة، لكنه يترك النور لمن خلفه.” وهكذا كان أبو عبد الرحمن، شمعة لم تخبُ، تركت ضياءها في قلوبنا، وفي كل دعاء يرفع له الآن.
وفي طريق العودة، تأملت في الحياة والموت، في الرحيل والبقاء، في الدموع والابتسامات، شعرت أن كل لحظة عشتها معه، وكل كلمة طيبة تبادلتها معه، هي دعوة لنا أن نعيش بما يرضي الله، ونترك أثرًا صادقًا فيمن حولنا. وفي نهاية هذه الرحلة، أستعيد كلمات حكيم آخر: “الوفاء هو الخيط الذي يربط القلوب بعد الرحيل، والذكرى هي النور الذي يظل مشعًا في الليالي الحالكة.”
بينما أكتب هذه السطور، أشعر أن كل كلمة محاولة لاحتضان الذاكرة، لتجميل الحزن، ولإعطائه معنى. الإنسان مهما رحل، فإن أثره يبقى خالدًا، وأن الحب الحقيقي والصدق والوفاء هم الجسور التي تعبر بنا إلى الحياة الخالدة.فلندع له جميعًا، ونسأل الله أن يجمعنا به في جناته، وأن يملأ قلوبنا بالمحبة، والصبر، والإيمان، وأن يجعل ذكره نورًا لا ينطفئ في قلوب كل من عرفه وأحبه.
لا يطوفك الفيديو