حين يُصبح الكرم خلقًا يمشي على الأرض

محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

الجمعة 30 أبريل 2026 – الدوحة… حيث تتكلم المواقف قبل الكلمات
في بعض الليالي، لا تكون الأحداث مجرد انتقال من مكان إلى آخر… بل تكون انتقالًا من معنى إلى معنى أعمق. وفي مساء الجمعة، الثلاثين من أبريل 2026، غادرنا مجلس “أبو تركي” محمد فخرو، وقد امتلأت الأرواح بشيء من الطمأنينة التي لا تُرى لكنها تُحسّ. وكان برفقتنا الفاضل ناصر الخال “أبو عبد الله”، ذلك الرجل الذي لا يحتاج أن يعرّف نفسه، لأن حضوره وحده تعريف. ومعنا كان د. محمود، الذي كان يمشي بيننا بهدوء الضيف الذي لم يدرك بعد أن بعض اللقاءات لا تُغادر القلب حتى بعد مغادرة المكان.

عند السيارة… حيث تبدأ المفاجأة من الوداع
خرجنا نحو السيارة، والخطى تحمل حديثًا خفيفًا عن المجالس، عن الصحبة، عن الأثر الطيب الذي يتركه الناس دون أن يشعروا. لكن فجأة… “تهامي… ليه مستعجل؟” كان الصوت من خلفنا… صوت “أبو عبد الله ناصر الخال”. التفتنا… فإذا به يحمل حقيبة بين يديه، بخطى هادئة، لا استعجال فيها، ولا تكلّف، ولا ضجيج. ثم اقترب… وقال ببساطةٍ تحمل من المحبة أكثر مما تحمل من الكلام: “هذه هدية بسيطة للدكتور محمود.” لكنها لم تكن بسيطة في معناها أبدًا.

الهدية التي جاءت كأنها امتداد للروح
في تلك اللحظة، لم يكن المشهد مجرد تسليم حقيبة… بل كان تسليم إحساس. دار حديث قصير، لكنه ممتلئ بالمعنى: “ليه كده يا أبو عبد الله… تتعب نفسك؟ يكفينا أخوتكم ومودتكم.” ابتسم ابتسامة من يعرف أن الكرم لا يُقاس بالتعب، بل بالرغبة في إدخال الفرح إلى قلب الآخر دون سبب. لم يُرد أن يشرح كثيرًا… لأن بعض الأفعال إذا شُرحت… نقصت. وقد قال أحد الحكماء: “إذا أصبح العطاء مبررًا، فقد شيئًا من جماله.”

الطريق إلى السيارة… حديث لا يُكتب
ركبنا السيارة، وانطلقنا. لكن الحديث لم يكن عن الطريق… بل عن الخلق. عن طيبة الصحبة التي لا تحتاج مناسبات لتُظهر نفسها. عن رجال إذا اجتمعوا، لم يكن الاجتماع حدثًا… بل حالة من الطمأنينة. كان “أبو عبد الله” حاضرًا في الكلام كما هو حاضر في الفعل: هدوء، تواضع، عطاء بلا ضجيج، وكرم لا ينتظر التصفيق. وقد قيل: “ليس الكريم من أعطى كثيرًا، بل من أعطى وكأنه لم يعطِ شيئًا.”

الوصول إلى مقر الإقامة… حيث تتكامل الصورة
وصلنا بالسلامة إلى مقر الإقامة. لكن ما كنا نظنه نهاية المشهد… كان بدايته الثانية. فإذا بالمفاجأة تنتظرنا داخل المكان… هدايا متعددة، ليست هدية واحدة، بل مشهد كامل من الذوق: ساعات أنيقة… زجاجات عطر فاخرة… قلم فاخر كأنه يحمل توقيع التقدير قبل أن يُكتب به أي حرف… لم تكن الهدايا مجرد أشياء… بل كانت لغة احترام صامتة تقول: “أنتم أهل تقدير… لا ضيوف عابرون.” وهنا أدركنا أن ما بدأ عند السيارة لم يكن لحظة منفصلة… بل كان جزءًا من منظومة كرم متكاملة.

“أبو عبد الله” … حين يصبح التواضع صورة للهيبة
في شخصية ناصر الخال “أبو عبد الله”، شيء لا يُفسَّر بسهولة. فهو لا يرفع صوته ليُسمع، بل يرفع فعله ليُرى. ولا يُكثر الكلام عن القيم، لأنه يعيشها دون إعلان. وما أجمل ما قاله حكيم: “بعض الرجال إذا مرّوا، لم يُحدثوا ضجيجًا… لكنهم غيّروا مزاج المكان كله.”

معنى الكرم حين يتجرد من الشكل
الكرم هنا لم يكن في قيمة الهدايا… بل في فلسفة تقديمها. أن يُفكّر الإنسان في الآخر وهو يغادر، أن يحمل شيئًا في يده ليترك أثرًا في قلبه، أن يرى أن اللقاء لا يكتمل إلا بشيء يُهدى، ولو كان بسيطًا. هذا هو الكرم حين يتحول من عادة إلى خلق. وقد قال أحد العارفين: الكرم الحقيقي ليس أن تعطي ما تملك، بل أن تُشعر الآخر أنه مملوك بالاهتمام.”

مشهد التواضع الذي لا يُنسى
ما لفت النظر أكثر من الهدايا نفسها… هو طريقة تقديمها. لا ضجيج، لا إعلان، لا استعراض. بل هدوء يشبه من يعطي وهو يخشى أن يُحرج الآخر لا أن يحرج نفسه. وهنا يظهر الفرق بين من يعطي ليُرى، ومن يعطي ليُسعد.

حكمة المشهد… حين تتحدث الأخلاق بدل الخطب
في ذلك المساء، لم نحتج إلى كلمات كثيرة عن الأخلاق. لأن الأخلاق كانت تتحرك أمامنا. كنا نراها في: خطوة “أبو عبد الله” وهو يحمل الحقيبة، ابتسامته وهو يقدّم الهدية، صمته الذي كان أبلغ من الكلام، وحرصه على أن يبقى أثر اللقاء جميلًا حتى اللحظة الأخيرة، فالأخلاق ليست ما تقوله عن نفسك، بل ما يراه الناس حين لا تتكلم.

دعاء رقيق يليق بالمقام
اللهم احفظ “أبا عبد الله ناصر الخال”، وبارك له في عمره ورزقه وأهله، واجعل كرمه في ميزان حسناته، وتواضعه رفعة له في الدنيا والآخرة. اللهم اجعل قلبه عامرًا بالسكينة، وبيته عامرًا بالبركة، وصحبته عامرة بالوفاء، وأثره في الناس ممتدًا لا ينقطع. اللهم بارك في كل من عرفهم أو أحبهم أو جلس إليهم، واجعل بينهم من المودة ما يرضيك، ومن الأخوة ما يُرضي قلوبهم، ومن البركة ما يفيض على حياتهم. اللهم اجعل ما يُقدّمه من خير شاهدًا له لا عليه، واجعل كل لحظة كرم مرّت منه نورًا في طريقه يوم يلقاك.

ختام… حين يبقى الأثر أطول من الحدث
في نهاية تلك الليلة، لم تكن الهدايا هي الحدث الأهم… بل الإنسان الذي قدّمها. لأن بعض الناس إذا غادروا مكانًا… لا يتركون فراغًا، بل يتركون امتلاءً. وهكذا بقي “أبو عبد الله” في الذاكرة… ليس كاسمٍ في مجلس، بل كمعنى للخلق حين يتحول إلى فعل، وللكرم حين يصبح أسلوب حياة، وللتواضع حين يصير هيبة لا تُشبه سواها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top