
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
الجمعة 1 مايو 2026 – الدوحة- قطر…حيث تسبق المشاعر الكلمة
في بعض اللحظات، لا يدخل الإنسان إلى مكانٍ جديد… بل يدخل إلى معنى جديد للحياة. وفي مساء الجمعة، الأول من مايو 2026، دخلنا مقر الإقامة في الدوحة على أمل أداء صلاة المغرب في سكينةٍ تليق بقدسية اللحظة، وكانت الأرواح تميل إلى الطمأنينة قبل أن تميل إلى الجلوس. لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد موقف ضيافة… بل كان مشهدًا يُعيد تعريف معنى “الهدية” من جذوره الأولى.
نداءٌ بسيط… يحمل خلفه حكاية لا تُقال
عند الاستقبال، نادى أحد فريق العمل بصوتٍ هادئ أحد العمال، وطلب منه إحضار “شيء ما”. لم يكن الطلب ملفتًا… لكن المفاجأة جاءت من حيث لا يُتوقع. حضرت سيدة فاضلة تحمل شيئًا لم يُقدَّم بطريقة عادية، ولم يُرفق بكلمة، ولا كرت، ولا اسم. مجرد حقيبتين من الحلوى والشوكولاتة النوعية… لكن دون أي تعريف، وكأن الهدية أرادت أن تُعرّف نفسها بنفسها. وهنا، حدث ما لا يحدث عادة… دهشة صامتة، ووقت يضيق قبل صلاة المغرب، وكأن اللحظة لا تريد أن تنتظر التفسير، بل تطلب التقدير أولًا. فقلت بهدوء: “بإذن الله نراها بعد الصلاة.”
حين تتحول الحلوى إلى رسالة
بعد الصلاة، عدنا إلى الهدية… لكنها لم تكن مجرد حلوى. كانت منظومة ذوق، مغلفة بصمتٍ جميل، تقول إن بعض العطاء لا يحتاج إلى توقيع، لأن أثره هو التوقيع. وبعد هنيهة من التأمل، التفتُّ إلى د. محمود الابن وقلت له: “هذه ليست هدية عادية… هذه هدية عابرة للقارات.” لم يفهمها أولًا، ثم بدأت ملامح الفهم تتشكل في عينيه. فقلت له: “هذه لم تبعد عن العزيز بو محمود منيسي، ولا عن العزيزة أم مريم.” فلمعت في عينيه دهشة رأى المعنى لأول مرة دون شرح. كان يدرك أن هناك شيئًا أكبر من المكان… وأكبر من المناسبة… وأكبر من المسافة.
حين تتكلم الهدية بلغة لا تُترجم
في عالمٍ تُقاس فيه الأشياء بالأسماء، جاءت هذه الحقيبة لتكسر القاعدة. لا اسم. لا بطاقة. لا توقيع. لكن هناك “أثر”. وقد قال أحد الحكماء: “الهدية التي لا تحمل اسمًا… قد تحمل قلبًا كاملًا.” وهذا بالضبط ما كان حاضرًا. فالقلوب الكبيرة لا تُرسل هداياها لتُذكر، بل لتُشعِر.
المفاجأة الثانية… حين تتضح الصورة
بعد العودة إلى مقر الإقامة، فتحت الهاتف… فإذا بمكالمة من “أبو محمود منيسي”، ورسائل نصية واضحة، تقول إن هناك هدية قد تم تركها بالفعل عند الاستقبال، وأن خلفها يد “أم مريم” التي لا تُفاجئ إلا بما يليق بها: الجمال الصامت. وهنا، اكتملت الصورة. لم تعد الحقيبة مجهولة… بل أصبحت معروفة المصدر، مجهولة الشكل في الوقت نفسه. وكأنها تقول: “أنا لا أحتاج إعلانًا… أنا أُعلن نفسي بأثرها.”
أم مريم… حين يصبح الذوق شكلًا من أشكال الرحمة
في ثقافة الكرم، هناك من يعطي… وهناك من يُتقن العطاء. لكن “أم مريم” لا تقع في أي من التصنيفين التقليديين. هي لا تُهدي فقط… بل تُصيغ لحظة. الحلوى والشوكولاتة التي وصلت لم تكن مجرد مواد غذائية، بل كانت ترتيبًا دقيقًا لمعنى الذوق، وكأنها تقول: “حتى الفرح يجب أن يُقدَّم باحترام.” وقد قيل في الحكمة القديمة: “بعض النساء لا يُربين البيوت فقط… بل يُربين الذوق في العالم من حولهن.”
أبو محمود منيسي… الرجل الذي لا يترك أثره على الطاولة، بل في القلب
أما “أبو محمود”، فهو من أولئك الذين إذا مرّوا في مكان… بقي المكان أكثر امتلاءً مما كان. لا يُكثر الكلام، لكنه يُكثر الأثر. ولعل أعظم ما في شخصيته أن حضوره لا يُقاس بالحديث، بل بالمواقف التي تأتي بعده. وفي هذه الهدية تحديدًا، كان واضحًا أن هناك اتفاقًا غير مكتوب بينه وبين “أم مريم”: أن تصل الرسالة دون أن تُقال.
بين الهدية والصلاة… حيث تتقاطع المعاني
الغريب أن المشهد كله وقع بين صلاة المغرب وسكون ما بعدها. وكأن اللحظة أرادت أن تقول شيئًا مهمًا: أن العبادة لا تنفصل عن الأخلاق، وأن الروح التي تصلي بصدق… تُحسن العطاء بصدق أيضًا. وقد قال أحد العارفين: “إذا صلحت القلوب في المحراب… صلحت في الحياة دون خطبة.”
درسٌ لا يُكتب في الكتب
في تلك الليلة، تعلّمت شيئًا لا يُقال بسهولة: أن بعض الهدايا لا تأتي لتُستهلك، بل لتُتأمل. وأن أعظم العطاء هو الذي لا يطلب مقابلًا حتى من الشكر. وأن الإنسان حين يعطي بصمت، فإنه يرفع قيمة العطاء إلى مرتبة أعلى من اللغة.
دعاءٌ يليق بالمقام
اللهم احفظ “أبا محمود منيسي”، وبارك له في عمره ورزقه وأهله، واجعل أثره في الناس نورًا لا ينقطع، ورفعة لا تزول. اللهم بارك في “أم مريم”، واجعل ذوقها في الحياة امتدادًا لذوقٍ لا يُرى إلا في القلوب الطيبة، وأكرمها كما أكرمت غيرها، وزدها من فضلك ورضاك. اللهم اجعل بيوتهم عامرة بالمحبة، لا يدخلها جفاء، ولا يغادرها حزن، واجعل كل ما يقدّمونه في ميزان حسناتهم. اللهم ارزقهم سعة في الرزق، وسعة في القلب، وسعة في الأثر، واجعل لهم من كل خير نصيبًا، ومن كل بركة طريقًا، ومن كل دعاء قبولًا.
ختام… حين تصبح الهدية ذاكرة
خرجت من تلك اللحظة وأنا أدرك أن العالم لا يُقاس بما يُقال فيه… بل بما يُفعل فيه بصمت. وأن هناك أناسًا إذا أعطوا… لا يتركون وراءهم شيئًا يُمسك باليد، بل يتركون شيئًا يُمسك بالقلب. وهكذا بقيت تلك الحقيبتان… ليستا مجرد حلوى وشوكولاتة، بل شهادة غير مكتوبة بأن في هذا العالم ما زال هناك من يُتقن فن العطاء…دون أن يطلب أن يُذكر اسمه.