
محمد تهامي
في مساءٍ لا يُقاس بالوقت، بل يُقاس بما يتركه في القلب من أثر، كان لقاء الأمس-الأحد 22 مارس 2026-أقرب إلى لوحةٍ إنسانيةٍ تُرسم لا بالألوان، بل بالقلوب. هناك، حيث لا يُستأذن الكرم ليدخل، ولا يُعلن الوفاء عن نفسه، بل يتسلل في التفاصيل الصغيرة حتى يملأ الروح دفئًا وسكينة.
إلى العزيز أبي مازن، وإلى العزيزة أم ريم… سلامٌ يليق بما كان، وما فاض، وما بقي في الذاكرة حيًّا لا يبهت.
لم تكن ضيافةً عابرة، بل كانت حكايةً مكتملة الأركان، تبدأ بسحلبٍ يدفئ الجسد، لكنه-في حقيقته-كان يدفئ ما هو أعمق من ذلك: الحنين. وقهوةٍ عربيةٍ تعبق برائحة الأصالة، كأنها تقول: “هنا تسكن القيم التي لا تُشيخ.” وشايٍ يُقدّم ببساطةٍ تشبه صفاء النفوس، ثم ذلك الكأس الذي صنعته يد الحبيبة ريم-خلطة فواكه – لم تكن مجرد مذاق، بل كانت رسالة حبٍ صامتة، تُقال بلا كلمات، وتُفهم بلا شرح. ثم جاءت الفطائر، لا كطعامٍ يُؤكل، بل كأثرٍ من آثار العناية، وكأن كل قطعةٍ منها تقول: “نحن هنا لنُسعدكم.” ومع كوب الشاي للسحور، اكتمل المشهد الذي لا يُنسى، مشهدٌ يذكّرنا أن السعادة لا تُشترى، بل تُصنع في بيوتٍ تعرف معنى العطاء.
غير أن الذروة… كانت في تلك “المائدة المتحركة”. وما أدراك ما المائدة المتحركة؟ ليست مجرد طعامٍ نُقل من مكانٍ إلى مكان، بل هي روحٌ انتقلت، وحرصٌ تجسّد، ووفاءٌ رفض أن ينتهي بانتهاء اللقاء. رنجةٌ تُقدّم بإصرار المحب، وجبنةٌ قديمة-المش المصري-تحمل عبق الزمن الجميل، كأنها تختصر سنواتٍ من البساطة الصادقة. وطبق سلطةٍ بستان خضروات، وكأن كل لونٍ فيه يشهد على تنوع النعم، وفطيرٌ مشلتت يروي حكاية الأرض الطيبة، وخبزٌ مصريٌّ مقطعٌ بعناية، كأن كل شريحةٍ منه قطعةٌ من قلبٍ كريم. ولم يكن ذلك لإفطار يومٍ فحسب، بل امتد أثره إلى سحور الثلاثاء، وكأن الكرم هنا لا يرضى أن يكون لحظة، بل يُصرّ أن يكون امتدادًا… أن يكون حياة.
ولم تكتمل سحرية المائدة المتحركة دون تلك علبة الترمس، التي قد يراها البعض مجرد تفصيل، لكنها في حقيقتها رسالة صامتة من القلب إلى القلب. كانت تحمل معها نكهة الحنين وأثر العطاء… كأن كل حبة ترمس فيها تقول: “نحن معكم، حتى بعد انتهاء هذا اللقاء، وحتى حين تعودون إلى حياتكم اليومية.” لم تكن مجرد طعام يُقدّم، بل امتداد للكرم، وتجسيدٌ للوفاء الذي رفض أن يختصره الزمن أو المسافات. ومع كل يدٍ تلتقط حبة ترمس، كان هناك دفء إضافي… شعورٌ بأننا لا نأخذ معنا الطعام وحده، بل نأخذ روح العطاء، وذكرى الحضور، وبصمةً من قلوبكم التي لا تُنسى قال أحد الحكماء: “الكرم ليس أن تُعطي مما تملك، بل أن تُعطي مما تُحب.” وما رأيناه منكم لم يكن عطاءَ ما تملكون، بل عطاءَ ما تُحبّون… ولذلك وصل، واستقر، وأثمر في القلوب. وقال آخر: “البيوت تُعرف بأهلها، لا بجدرانها.” وقد عُرف بيتكم… بما فيه من صدق، ودفء، ونُبل.
أبا مازن… في هدوئك حكمة، وفي حرصك رسالة، وفي صمتك درسٌ لا يُكتب، بل يُعاش.
أم ريم… في لمستك حنانٌ لا يُوصف، وفي ترتيبك روح أمٍّ تعرف كيف تجعل من العطاء فنًا، ومن الضيافة ذاكرةً لا تُنسى.
وريم… يا زهرة هذا المشهد، وابتسامته، ويده التي قدّمت الكأس كأنها تقدّم قلبًا صغيرًا مليئًا بالحب… بارك الله فيكِ، وجعلكِ امتدادًا لهذا الجمال.
ورزان… يا بسمةً حملت حقيبة الكرم قبل أن تحملها يداكِ، فصار عطاؤكِ خفيفًا كروحكِ، عميقًا كأثركِ الذي بقي في القلب.
ورائد… يا حياءً يمشي على الأرض، توارى أدبًا لإمامة القيام، فكنتَ بغيابك حضورًا، وبصمتك درسًا يُروى.
أيها الأحبة… ما حدث لم يكن لقاءً عابرًا، بل كان درسًا في معنى “الصحبة الطيبة”، تلك التي قال فيها بعض الحكماء: “إذا أردت أن تعرف قدرك، فانظر في قلوب من تحب.” وقد عرفنا قدرنا عندكم… فعرفنا أننا بين أهل. اللهم يا واسع الفضل… بارك لأبي مازن في عمره، واجعل ما قدّمه نورًا يسعى بين يديه، وارزقه من الطمأنينة ما يملأ قلبه سكينة، ومن الرضا ما يجعله يرى أثر عطائه في الدنيا قبل الآخرة. اللهم واحفظ أم ريم، وبارك في صحتها، واجعل كل ما صنعته بيديها شاهدًا لها لا عليها، وارزقها فرحًا لا ينقطع، وسعادةً تمتد كما امتد كرمها. اللهم واحفظ ريم ورزان ورائد واجعلهم من الصالحين، وارزقهم قلوبًا نقيًة كما رأيناهم، وروحًا مضيئة كما شعرنا، واكتب لهم مستقبلًا يليق ببراءة عطائهم وجمال حضورهم. اللهم واجعل أبناءهم جميعًا قرة عينٍ لهم، وامتداد خيرٍ لا ينقطع، واجمعهم على المحبة، وألف بين قلوبهم، واجعل بيوتهم عامرةً بذكرك، مطمئنةً برضاك. اللهم كما جمعتمونا على مائدةٍ من كرم، فاجمعنا على مائدةٍ من نورٍ في جناتك، حيث لا فراق، ولا تعب، ولا نهاية للفرح. أما أنتم… فلكم في القلب دعاءٌ لا يُقال، وشعورٌ لا يُكتب، وامتنانٌ يعجز الحرف عن حمله. ويبقى الأثر… أن هناك بيوتًا، حين تدخلها، لا تخرج منها كما دخلت… بل تخرج محمّلًا بشيءٍ من النور. دمتم كذلك… نورًا لا يخبو.