الكرم الذي لا يستأذن

محمد تهامي

محمد تهامي

هناك زيارات تُحددها المواعيد، وتسبقها الاتصالات والرسائل والتنسيق الطويل، وهناك زيارات أخرى تأتي فجأة، لكنها تبدو وكأنها كانت مكتوبة في صفحات القدر قبل أن تخطر على بال أحد. وفي بعض الأحيان لا يطرق الباب ضيف… بل يطرق الباب معنى جميل من معاني الحياة. وكان ذلك الجمعة 19 يونيو 2026 قبل صلاة العشاء بلحظات.

كنت أستعد لمغادرة مقر الإقامة متوجهًا إلى الصلاة، أراجع بعض الأوراق وأتهيأ للخروج، وحين فتحت الباب لم يكن في انتظاري موعد مسجل في الهاتف، ولا رسالة تسبق الوصول. بل كان في انتظاري الفاضل حسام أبو حسن. واقفًا بابتسامته المعهودة. لكن اللافت للنظر لم يكن حضوره وحده. بل ما كان يحمله. مجموعة من الحقائب تكاد تنطق قبل أن تُفتح. حقائب لا تحمل طعامًا فقط، بل تحمل وراءها قصة محبة كاملة.

وقبل أن أستوعب المشهد قلت له بعفوية: “يا غالي… إن اتصلتَ لنسقنا فيما بيننا.” فضحك تلك الضحكة التي يعرف أصحاب القلوب البيضاء معناها وقال: “أنا أعلم إذا اتصلنا… ثم تعتذرون عن تكليفنا بالحضور.” وفي لحظة واحدة أدركت أن الرجل لم يأت بالطعام فقط… بل جاء ليغلق كل أبواب الاعتذار. فالكرم الحقيقي لا ينتظر الموافقات. والمحبة الصادقة لا تمنحك فرصة للهروب منها.

وما إن حملنا ما بيده حتى فاجأنا بجملة أخرى: “ما زال هناك المزيد في السيارة.” وهنا تذكرت مقولة لأحد الحكماء: “حين يعطي الكريم لا يحسب ما أعطى، بل يخشى أن يكون ما أعطاه أقل مما يستحقه من يحب.” نزل مرة أخرى. وعاد.  حتى بدا المشهد وكأن سيارة كاملة قررت أن تتحول إلى مائدة. وليس أي مائدة… بل مائدة تشبه البيوت التي ما زالت تحفظ أسرار الكرم القديم.

ذلك الكرم الذي لا يُلتقط للصور. ولا يُصنع للمناسبات. ولا ينتظر الشكر. بل يخرج تلقائيًا كما يخرج العطر من الزهور. وبينما كنا نفرغ ما أحضره، شاء الله أن يصل ضيف عزيز في زيارة عابرة “ترانزيت”، وكأن الأقدار نفسها رتبت المشهد. فإن تأخر دقائق لما شهد المائدة. وإن حضر قبلها بقليل لما اكتملت. لكن الله إذا أراد أن يُظهر جميل أقداره جمع التفاصيل في لحظة واحدة. وكانت تلك واحدة من تلك اللحظات.

بدأت المائدة تُفرش. وكل طبق يُوضع كان يضيف فصلًا جديدًا للحكاية. ثم جاءت بطلة المشهد. صينية المحشي. لكن وصفها بالمحشي وحده ظلم لها. كانت لوحة فنية كاملة. ورق عنب متقن اللف كما لو أن كل ورقة كتبت بعناية. وكرنب يحمل عبق المطابخ الأصيلة التي ما زالت تؤمن أن الطعام رسالة حب قبل أن يكون وجبة. لكن المفاجأة الأكبر كانت في المنتصف. بطة محمرة تتربع على عرش المائدة. بلونها الذهبي المائل إلى الحمرة. كأنها قطعة من ضوء المساء. وحولها المحشي في تناغم جميل يشبه اجتماع أفراد الأسرة حول كبيرها.

ولم يكن الجمال في الشكل وحده. بل حين امتدت الملاعق إلى الداخل اكتشفنا مفاجأة أخرى. قطع اللحم المختبئة بين ثنايا المحشي. وكأن الكرم لم يكتف بما يظهر للعين. بل قرر أن يضع مفاجأة أخرى في الداخل. وهنا تذكرت حكمة نادرة تقول: “النفوس الكبيرة تشبه المحشي الجيد… جمالها الحقيقي مخبأ في داخلها.” وكانت تلك الجملة تصف الطعام وصاحبه في الوقت نفسه.

ثم جاء طاجن المكرونة بالبشاميل. وما أدراك ما البشاميل حين يُصنع بحب. طاجن يملك قدرة عجيبة على إعادة الإنسان إلى أجمل ذكرياته. إلى البيوت. إلى المناسبات العائلية. إلى الأمهات وهن يراقبن الفرن بقلوبهن قبل أعينهن. وكان الطاجن يقف على المائدة كما تقف القصائد الجميلة بين الكتب. هادئًا. لكن حضوره لا يُنسى.

ثم حضر إناء شوربة لسان العصفور. ذلك الطبق الذي يبدو بسيطًا للوهلة الأولى. لكنه يشبه بعض البشر. كلما اقتربت منه اكتشفت قيمته أكثر. دافئًا. صادقًا. مريحًا. كأنه يقول للحاضرين: “مرحبًا بكم في بيت يعرف معنى الضيافة.” ولم يكتمل المشهد إلا بإناء الملوخية. ملكة الموائد المصرية بلا منازع. بحضورها الأخضر الأنيق. ورائحتها التي تكفي وحدها لتفتح أبواب الشهية. وكانت المائدة بعد اكتمالها تشبه اجتماع الفصول الأربعة في مكان واحد. تنوع. وجمال. ووفرة. وألفة. وكرم. لكن الحقيقة التي ظلت ترافقني بعد انتهاء الطعام لم تكن في أصناف المائدة. بل في صاحبها. فكم من إنسان يستطيع أن يشتري الطعام. لكن كم من إنسان يفكر في غيره بهذه الصورة؟ وكم من إنسان يحمل التعب على كتفيه ليمنح غيره الراحة؟ وكم من إنسان يرى السعادة في وجوه الآخرين فيعتبرها مكافأته الكبرى؟

لقد قال أحد الحكماء: “الناس نوعان” من يبحث عن مكان في قلوب الآخرين، ومن يصنع لنفسه مكانًا دون أن يبحث.” وأحسب أن أبا الحسن من النوع الثاني. فهو لا يطرق أبواب القلوب. بل تدخلها أخلاقه قبله. ولا يطلب المحبة. بل تسبقه إليها مواقفه. وفي تلك الليلة لم نتناول طعامًا فقط. بل تناولنا درسًا كاملًا في الوفاء. وتعلمنا مرة أخرى أن الكرم ليس حجم ما يُقدم. بل حجم المشاعر التي ترافقه. وأن بعض الناس إذا حضروا حملوا معهم الطمأنينة. وإذا أهدوا أهدوا شيئًا من أرواحهم. وإذا غادروا تركوا خلفهم أثرًا لا يزول.

فشكرًا للعزيز أبي حسن. شكرًا لهذا القلب الذي يعرف طريقه إلى الآخرين دون خرائط. شكرًا لهذه الروح التي ما زالت تؤمن أن أجمل ما يملكه الإنسان هو ما يمنحه لغيره. نسأل الله أن يبارك له في عمره وصحته وأهله وماله، وأن يرزقه من الخير أضعاف ما يصنعه للناس، وأن يجعل أيامه عامرة بالسعادة كما عمر قلوب غيره بالمحبة. وأن يبقى كما عرفناه دائمًا… وجهًا إذا حضر حضر معه الخير. وقلبًا إذا أعطى أعطى فوق المتوقع. ورجلًا يثبت في كل موقف أن الكرم ليس ما يوضع على المائدة… بل ما يسكن في القلب.

ويبقى في ختام هذه الحكاية الجميلة وقفة وفاء لا تكتمل الكلمات إلا بها، وشكرٌ مستحق للفاضلة أم حسن، صاحبة اللمسة الخفية التي تظهر آثارها في كل تفصيل، ولا يظهر اسمها إلا تواضعًا. فخلف كل مائدة متقنة يدٌ تعبت، وقلبٌ أحب، وعينٌ راقبت أدق التفاصيل حتى تخرج الصورة بهذا الجمال. وما رأيناه من جودة الإعداد، وروعة التنسيق، ودفء الضيافة، لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة جهد صادق، وذوق رفيع، ونفس كريمة اعتادت أن تصنع الفرح للآخرين دون انتظار ثناء. فجزاها الله خير الجزاء، وبارك في صحتها وعافيتها، وجعل كل ما قدمته من إكرام وإحسان وسعادة للآخرين في ميزان حسناتها، وأبدلها عن كل تعب راحة، وعن كل جهد بركة، وعن كل معروف مضاعفةً من فضله وكرمه.

اللهم بارك لأبي حسن وأم حسن في عمرهما وأهلهما وذريتهما، واجعل بيتهما عامرًا بالإيمان والمودة والسكينة، كما جعلوه عامرًا بالكرم والمحبة. اللهم أدم عليهما نعمة الصحة والعافية، وافتح لهما أبواب الخير من كل جهة، وأقر أعينهما بصلاح أبنائهما وسعادتهم وتوفيقهم. اللهم احفظ حسن، واحفظ حبيبة وإخوانها، واجعلهم من أهل البر والتوفيق والنجاح، وأنر دروبهم بالحكمة والرضا، وبارك في أعمارهم وأرزاقهم وأعمالهم، واجعل لهم في كل خطوة توفيقًا، وفي كل أمر تيسيرًا، وفي كل دعاء قبولًا، وفي كل يوم نصيبًا من السعادة والطمأنينة.

اللهم كما جمعت هذه الأسرة الكريمة على المحبة والعطاء، فاجمع لهم بين خير الدنيا ونعيم الآخرة، واجعلهم من البيوت التي إذا ذُكرت بين الناس ذُكر معها الخير، وإذا رُفعت الأكف بالدعاء كان لهم أوفر الحظ والنصيب. فما أجمل الطعام حين يُعد بإتقان، وما أعظم الكرم حين يصاحبه خلق كريم، وما أبقى الأثر حين تكتبه قلوب صادقة لا تعرف إلا المحبة سبيلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top