
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في ذاكرة الأيام… هناك لحظات لا تُقاس بالزمن، بل تُقاس بقدر ما تتركه في القلب من نور، وبقدر ما تزرعه في الروح من سكينة. لحظات تتكرر في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تتجدّد كأنها أول مرة، وتُدهشنا كأننا لم نعشها من قبل. ومن تلك اللحظات… زيارة أول يوم العيد، إلى الغالية نهلة فهمي، والغالي حمدي الطيب. ليست زيارة عادية، ولا هي مجرد عادة اجتماعية تُؤدّى، بل هي طقس إنساني عميق، تتجلى فيه معاني القرب، وتُستعاد فيه ملامح الودّ القديم، وتُكتب فيه سطور جديدة من الوفاء… دون أن نشعر أننا نكتب.
يبدأ المشهد منذ ما بعد صلاة العشاء… حيث لا يكون الاتصال مجرد تنسيق موعد، بل هو إعلان شوق، وفتح نافذة من الحنين. ثم تأتي متابعة ما بعد الظهر، وكأنها طمأنينة للقلب قبل أن تكون تثبيتًا للوقت… “نحن على العهد… سنأتي”. في تلك الكلمات البسيطة، يسكن معنى عظيم: أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى تكلّف، بل إلى صدق حضور.
وحين نصل… لا نستقبل، بل نُحتضن. باب يُفتح قبل أن يُطرق، وابتسامة تسبق السلام، ووجوه يشرق فيها الفرح لا مجاملةً، بل صدقًا. تقبيل رأس أختي نهله ليس مجرد حركة، بل هو انحناءة تقدير لروحٍ عرفت كيف تكون بيتًا قبل أن تكون شخصًا. وعناق أخي حمدي الطيب… عناق يُشبه الدعاء، يُقال فيه ما لا يُقال، ويُستشعر فيه ما تعجز الكلمات عن حمله. يقول أحد الحكماء: “ليست البيوت بجدرانها، بل بمن يسكنها.” وهنا، في تلك اللحظة، يتجسد المعنى كاملًا… فالبيت ليس مكانًا، بل حالة من الأمان.
ثم تأتي المائدة… لكنها ليست مائدة طعام، بل مائدة ذاكرة. مستديرة… كأنها ترمز إلى ألا أحد فيها خارج الدائرة، وأن الجميع شركاء في الفرح. عامرة بالخيرات، لا لأن الكرم يُقاس بالكثرة، بل لأن الحب حين يُقدَّم، يتكاثر دون حساب. مكسرات بأنواعها… فسدق، لوز، كاجو، لبّ بألوانه وأشكاله، كأنها تقول: حتى التفاصيل الصغيرة لها مكانها في الفرح. تمر بأنواعه، يحمل عبق البدايات، ويربط الحاضر بأصالة الجذور. ترمس وحلبة… ليست مجرد طقوس، بل ذاكرة شعبية، نكهة زمنٍ لم يكن فيه كل شيء متاحًا، لكنه كان مليئًا بالرضا. كحك وبسكويت… لا يُؤكل فقط، بل يُستعاد معه صوت الأمهات في المطابخ، ورائحة الأعياد القديمة، وضحكات الطفولة التي لم تغادرنا، وإن كبرنا. القهوة العربية… برزانتها، وكأنها تُعلن أن للقاء هيبة. والشاي بالحبك… برائحته التي تُشبه الحنين، كأنها تقول: ما زالت الحياة طيبة… ما دمنا نجتمع.
ثم الحديث… حديث لا يُملّ، لأنه ليس سردًا للأحداث، بل استدعاء للروح. نتحدث عن الذكريات، لا لنحكيها، بل لنعيشها من جديد. نضحك على مواقف مرت، ونستحضر وجوهًا غابت، لكنها ما زالت حاضرة في القلب. يقول حكيم: “ما تبحث عنه… يبحث عنك.” وكأن هذه الجلسة هي ما كنا نبحث عنه دون أن ندري… لحظة صدق، نعود فيها إلى أنفسنا.
وفي زاوية الحديث… يتسلل الدعاء. دعاء رقيق، ليس فيه تكلّف، بل صدق رجاء. دعاء بالشفاء لحمدي الطيب… لكنه ليس دعاءً عابرًا، بل هو دعاء يحمل في طياته خوف المحب، وأمل القريب، ويقين المؤمن. نرفع أكفّنا، لكن القلوب هي التي تدعو قبل الأيدي. نرجو الله أن يُلبسه ثوب العافية، لا لأن المرض عيب، بل لأن العافية نعمة، ومن أحببناه… تمنّينا له تمام النعمة. يقول الإمام الشافعي: “دعوة في ظهر الغيب، لا تُردّ.” وهنا، لا دعوة واحدة… بل قلوب كثيرة، اجتمعت على رجاء واحد.
وكان لهذا العيد طعمٌ آخر… فهو الأول الذي يمرّ عليّ وأنا خارج البلاد، بعيدًا عن تفاصيلٍ اعتادها القلب حتى ظنّها لا تغيب. هنا، أدركت أن العيد ليس مكانًا نكون فيه، بل وجوهًا نلتقي بها… وأن الغربة لا تُقاس بالمسافة، بل بغياب من نصافح أرواحهم قبل أيديهم. ومع ذلك، كان في هذا اللقاء ما يُربّت على القلب، كأن الله يقول: إذا ابتعدت بك الدروب، سخّرت لك قلوبًا تكون لك وطنًا.
ومع كل هذا… لا ينتهي المشهد عند الجلوس. بل هناك تفصيلة صغيرة… لكنها عظيمة في معناها. تلك الحقيبة… شنطة تُحمل، وفي داخلها الترمس والحلبة. قد يراها البعض أمرًا بسيطًا، لكن الحقيقة أنها امتداد للكرم، ورسالة تقول: “نريد أن تأخذوا منّا شيئًا… يبقى معكم بعد أن ترحلوا.” هي ليست مجرد أطعمة، بل هي قطعة من البيت، تُغادر معك، لتذكّرك أن هذا المكان… لم يكن زيارة، بل كان جزءًا منك. يقول ابن خلدون: “الإنسان ابن عاداته.” لكن هنا، نحن أبناء معاني… لا عادات. أبناء وفاء، لا مواعيد. أبناء قلوب، لا مناسبات.
ومع اقتراب لحظة الوداع… لا يكون الوداع فراقًا، بل وعدًا بلقاء قادم. نظرات تحمل ما لا يُقال، وابتسامات تخفي شوقًا بدأ قبل أن ننصرف. نخرج… لكن شيئًا منا يبقى هناك. ونأخذ معنا… أكثر مما جئنا به. نأخذ دفء اللقاء، ونقاء الدعاء، وصدق المشاعر. نأخذ يقينًا أن الحياة، رغم كل ما فيها، ما زالت بخير… ما دامت هذه القلوب موجودة.
في طريق العودة… نصمت قليلًا. ليس لأن الحديث انتهى، بل لأن المشاعر امتلأت. نُقلّب في ذاكرتنا تفاصيل المساء، فنبتسم… وكأننا نعيشها مرة أخرى. ونُدرك، دون أن نقول: أن العيد… ليس يومًا في التقويم، بل حالة في القلب. وأن بعض الناس… هم العيد. يا رب… كما جمعتنا على هذه المحبة، فاجمعنا عليها دائمًا. وألبس أخانا حمدي الطيب ثوب العافية، واجعل مرضه رفعةً في الدرجات، وتكفيرًا للسيئات، وبشارة قربٍ منك لا ألم فيه ولا عناء. واحفظ الغالية نهله، التي أتقنت فنّ الاحتواء، فصارت بيوت القلوب لا تغلق أبوابها في حضورها. واجعل هذه اللقاءات شاهدةً لنا، لا علينا… وذكرياتٍ تُكتب في صحائف النور، لا تُمحى مع الأيام.
وفي الختام… إن سألني أحدهم: ما أجمل ما في العيد؟ لن أقول الزينة، ولا الثياب، ولا الموائد… بل سأقول: هو ذاك الباب الذي يُفتح بمحبة، وذاك العناق الذي يُغني عن ألف كلمة، وتلك الحقيبة الصغيرة… التي تحمل في داخلها، معنى كبيرًا اسمه: “نحن نحبكم… فخذوا منّا ما يبقى.” ولعلّها المرة الأولى التي أستقبل فيها العيد بعيدًا عن الكويت… لكنني أدركت في تلك الليلة، أن الوطن الحقيقي ليس على الخرائط، بل في القلوب التي تستقبلك كما أنت… وفي الدعوات التي تحرسك حيثما كنت.