
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في صباحات الحياة العادية يمرّ كثير من البشر كأسماءٍ في سجل الأيام، لكن قلةً منهم يمرّون كأثرٍ لا يزول، وكضوءٍ يبقى في الذاكرة حتى بعد انطفاء المصباح. وفي يوم الخميس الثامن عشر من يونيو عام 2026، رحلت إلى رحمة الله تعالى السيدة هوليا شنجون، ورحلت معها صفحة من أجمل صفحات الإنسانية التي عرفتها القلوب قبل أن تعرفها العيون.
ليس من السهل أن يُكتب عن امرأةٍ كانت أكبر من الكلمات، ولا أن تُختصر سنوات المودة والوفاء في أسطرٍ مهما طالت، فبعض الناس لا تُقاس أعمارهم بعدد السنين، بل بعدد القلوب التي سكنوها، وعدد الدموع التي سالت حين غابوا. عندما يتحدث الناس عن الأخلاق يذكرون المواقف، وعندما يتحدثون عن الكرم يذكرون العطاء، أما عندما يُذكر اسم هوليا فإن الحديث يتجاوز الصفات كلها ليصل إلى جوهر الإنسانية نفسها.
بدأت الحكاية بصورة عادية جدًا. زيارة لشقة في مبنى جديد. مجرد معاينة لمكان قد يصبح بيتًا. لكن الأقدار كانت تُخبئ خلف بابٍ قريب قصة صداقةٍ لا تُشترى، وأختًا لم تلدها الأم، وجارةً ستترك أثرًا لا تمحوه الأيام. في أول لقاء، لم يكن هناك تاريخ سابق، ولا معرفة قديمة، ولا لغة مشتركة تجمع بين الطرفين. كانت هناك ابتسامة فقط. وكان هناك قلب. وهذان وحدهما كانا كافيين.
في اليوم التالي من الانتقال، وبعد شراء بعض الاحتياجات البسيطة للمنزل، طُرق الباب. كانت الوالدة هوليا. جاءت للاطمئنان. ثم عادت بعد دقائق تحمل الماء وبعض المستلزمات التي رأت أن البيت الجديد يحتاجها. ومنذ تلك اللحظة لم تعد جارةً تسكن في المبنى نفسه، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
كانت اللغة مختلفة، لكن الأرواح كانت تتحدث بطلاقة. كان الهاتف يقوم بالترجمة، وكانت هي تمسك الميكروفون بابتسامتها المعهودة، تقترب وتسأل وتستفسر وتشرح وتطمئن. ولعل الحكيم قال كلمةً لا يعرفها كثير من الناس: “اللغة قد تُعرّف الناس ببعضهم، أما اللطف فيجعلهم يفهمون بعضهم.” وكان اللطف عند هوليا لغةً كاملة لا تحتاج إلى مترجم. لم تنتظر أن يُطلب منها شيء. كانت ترى الحاجة قبل أن تُذكر. وتنتبه للتفاصيل قبل أن يلتفت إليها أصحابها.
في اليوم الثاني وجدت الابنة وحدها في المنزل. فلم تمرّ مرورًا عابرًا. عادت تحمل صينية من المكرونة أعدتها بنفسها. وكأنها تقول بلغة الأمهات التي لا تحتاج إلى ترجمة: “أنتم لستم وحدكم.” وكانت تلك الجملة الصامتة أبلغ من آلاف الكلمات. ثم بدأت رحلة التجهيز. شراء. تركيب. متابعة. استفسار عن الأسعار. البحث عن أفضل الخيارات. الاتصال بأصحاب المهن. متابعة الكهرباء. متابعة السباكة. متابعة الأثاث. وكأن البيت بيتها. بل ربما أكثر.
وكان المشهد الذي لا يغيب عن الذاكرة أنها كانت تصعد مع بناتها يومًا بعد يوم، تحمل قطعة قماش، وتمسك أدوات التنظيف، وتقف على الكرسي لتنظيف الزجاج بيدها. لم تكن تفعل ذلك مجاملة. كانت تفعله بمحبةٍ صادقة. محبة لا تبحث عن مقابل. ولا تنتظر شكرًا. ولا تسجل معروفًا. صدق من قال: “أجمل النفوس هي التي تجعل الخدمة تبدو امتيازًا لا واجبًا.” وهكذا كانت هوليا. كانت تساعد وكأنها هي المستفيدة. وتعطي وكأنها هي الآخذة. وتفرح بخدمة الآخرين أكثر من فرحتهم بما تقدمه لهم.
مرت الأيام. وأصبحت رحلة البازار الأسبوعية جزءًا من الحياة. كل يوم أحد وأربعاء. تنسيق. متابعة. اهتمام. وكان ابنها صمد يركب سيارة أخته وينتظر لتحميل الأغراض. وكانت هي تراقب التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها كثيرون. ثم يأتي المساء. تصعد مرة أخرى. لا لشيء. فقط للاطمئنان. تجلس قليلًا. تشرب كوبًا من الشاي. تسأل عن الأحوال. ثم تنزل وهي مطمئنة أن الجميع بخير.
كم من الناس يسألون بدافع الأدب؟ وكم من الناس يسألون بدافع المحبة؟ كانت من الصنف الثاني. وهو أندر بكثير. وكان المدهش فيها أنها لم تكن كثيرة الطلب أبدًا. بل كانت إذا احتاجت شيئًا نادرًا جدًا تطلبه بخجلٍ شديد. وكأنها تعتذر عن حاجتها. بينما كانت تمنح الآخرين كل ما تستطيع بلا حدود. كانت معطاءة بطريقة يصعب وصفها. أدب. حياء. مروءة. رحمة. خلق. ذوق. صدق. صفات اجتمعت فيها حتى أصبحت جزءًا من شخصيتها لا صفاتٍ منفصلة عنها.
وحين كانت تستقبل ضيوفها في شقتها كانت حرارة الترحيب تسبق فتح الباب. لم تكن تستقبل الناس في منزلها فقط. كانت تستقبلهم في قلبها. كانت تسأل عن الأحوال بتفاصيلها. وتتابع الأخبار الصغيرة قبل الكبيرة. وتبحث عن أي وسيلة تستطيع بها التخفيف عن الآخرين. وكانت تمتلك تلك القدرة النادرة على جعل من أمامها يشعر بأنه مهم. وأن وجوده يعني لها شيئًا. وأن أخباره تهمها فعلًا.
وكم من بشرٍ يعيشون بين الناس دون أن يمنحوا أحدًا هذا الشعور. ثم شاءت الظروف أن يتم الانتقال إلى شقة أخرى بعيدة عن المبنى. وظن البعض أن المسافة ستُضعف العلاقة. لكن العلاقات التي يبنيها القلب لا تهزمها الجغرافيا. استمرت الاتصالات. واستمر السؤال. واستمرت المتابعة. بل ربما ازدادت. كانت تسأل عن الكهرباء. وعن الإنترنت. وعن النجار. وعن الفني. وعن أي تفصيل قد يحتاج إلى متابعة. وكأنها لا تزال الجارة الملاصقة.
عند الاتصال بها كان صوتها يحمل شيئًا من الطمأنينة. شيئًا من الحنان. شيئًا من الدفء. وكانت عبارتها المحببة: “يا نور عيوني“ تخرج صادقة من القلب قبل اللسان. وحين كانت تنطقها تشعر أنها لا تقول كلمة مجاملة، بل تعبّر عن شعور حقيقي. وكان حبها لأبنائها مشهدًا آخر من مشاهد الجمال. حب لا يوصف. رعاية لا تنقطع. دعاء دائم. خوف ممزوج بالحنان. وفرح بنجاحاتهم كأنها تعيش أعمارهم معهم لحظة بلحظة.
لقد كانت نموذجًا للمرأة التركية الأصيلة. المرأة التي تجمع بين قوة الشخصية ورقة القلب. بين الكرامة والتواضع. بين الحزم والرحمة. بين العطاء والصمت. وكانت تحمل من المروءة ما يجعلها تسارع إلى الخير قبل أن تُدعى إليه. ومن الأدب ما يجعلها تنسب الفضل للآخرين حتى فيما صنعته بيديها. قال حكيم: “ليس عظيمًا من يترك وراءه مالًا كثيرًا، بل من يترك وراءه قلوبًا كثيرة تدعو له.”
واليوم، كم من القلوب تدعو لهوليا؟ كم من الدموع سالت عند سماع خبر رحيلها؟ كم من الذكريات استيقظت فجأة؟ كم من المواقف الصغيرة عادت لتقف أمام أصحابها وكأنها حدثت بالأمس؟ إن الإنسان لا يموت حين يتوقف نبضه. بل يموت حين يتوقف أثره. وهوليا من أولئك الذين يبقى أثرهم طويلًا بعد الرحيل. رحلت الجارة. ورحلت الصديقة. ورحلت الأم الحنون. لكن ما رحل هو الجسد فقط. أما مواقفها فما زالت تمشي بين الناس. وابتسامتها ما زالت تسكن الذاكرة. وصوتها ما زال حاضرًا في القلوب. ودعواتها ما زالت تطرق أبواب السماء.
رحلت هوليا شنجون، لكنها تركت درسًا بليغًا في معنى الإنسانية. علمتنا أن الخير لا يحتاج إلى لغة. وأن المحبة لا تحتاج إلى عقود. وأن الجوار ليس قرب الجدران، بل قرب الأرواح. وعلمتنا أن بعض النساء لا يصنعن ضجيجًا في الحياة، لكن غيابهن يصنع صمتًا لا يُحتمل. نسأل الله الرحيم الكريم أن يفيض عليها من رحمته، وأن يجعل ما قدمته من إحسانٍ للناس نورًا لها في قبرها، وأن يبدلها دارًا خيرًا من دارها، وأهلًا خيرًا من أهلها، وأن يجمعها بالصالحين في جنات النعيم.
سلامٌ على قلبٍ عاش للناس. وسلامٌ على روحٍ كانت تمشي بين البشر كرسالة رحمة. وسلامٌ على والدتنا وأمنا وأختنا ورفيقتنا هوليا… التي لم تكن جارةً فقط، بل كانت وطنًا صغيرًا من الحنان، رحل عن الأرض، وبقي في القلوب.