حين يصبح الاعتذار سببًا لكرمٍ جديد

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم يكن يحمل الملابس… بل كان يحمل قلبًا بأكمله

ليست كل صور الكرم تبدأ حول مائدة، ولا كل معاني الوفاء تُقاس بما يُقدَّم من طعام أو هدايا، فثمة رجالٌ إذا دخلوا عليك حملوا معهم شيئًا لا يُرى بالعين، ولكنه يملأ المكان، يحملون الطمأنينة، ويحملون الأدب، ويحملون تلك الأخلاق التي لا تُدرَّس في الجامعات، وإنما تُورثها البيوت الطيبة جيلاً بعد جيل.

في صباح يوم الاثنين 22 يونيو 2026، جاءني اتصال من العزيز محمد عبد الرحمن، “أبي مازن”. بصوته الهادئ الذي تعود أن يسبق حضوره، قال بكل بساطة: “أستاذ… أمرّ عليكم، آخذ الملابس إلى المغسلة.” أغلقت الهاتف، لكن قلبي لم يغلق باب التفكير. فقد عرفت أبا مازن… ومن يعرفه، يعلم أن عباراته القصيرة كثيرًا ما تخفي وراءها مفاجآت كبيرة. قلت في نفسي: لعل معه شيئًا من الطعام، كما اعتدت من كرمه الذي لا يعرف الاعتدال. واعتذرت له، فقد كان لدي موعد خارج المنزل، راجيًا أن أوفر عليه مشقة الطريق. وظننت أن الأمر انتهى… غير أن أصحاب القلوب الكبيرة لا تنتهي عندهم المحاولات الأولى. وفي صباح اليوم التالي عاد الاتصال. رحبت به، لكنني كررت رجائي هذه المرة بوضوح: “أبو مازن… أرجوك، لا تحمل معك شيئًا.” قال كلماته المعتادة، التي لا تكشف شيئًا، ثم أنهى الاتصال.

وقبل الظهر بقليل… وصل. كان يحمل الملابس بعناية، كما وعد. لكن…كان يحمل حقائب أخرى. نظرت إليها… ثم نظرت إليه. فابتسم تلك الابتسامة الهادئة التي كثيرًا ما تعترف بالكرم دون أن تنطق به. شعرت بخجل لا أستطيع وصفه. ليس لأن الحقائب كثيرة… بل لأن صاحبها كان يظن أنه ما زال مقصرًا. وقد قال أحد الحكماء: “أكرم الناس من يرى معروفه صغيرًا، مهما رآه الناس عظيمًا.”

ثم جاءت المفاجأة الثانية. علمت أن الأسرة كلها كانت في الاستقبال. ازدادت دهشتي. قلت له: “لماذا لم يصعدوا؟” فأجاب بهدوءٍ يشبه أخلاقه: “خشيت أن نعطلك عن أعمالك.” يا الله… أيُّ تربيةٍ هذه؟ حتى في الزيارة… كان أول ما يفكر فيه هو راحة غيره. وقد قال حكيم: “الأدب الحقيقي أن تفكر في راحة الآخرين قبل أن تفكر في رغبتك.” فنزلت مسرعًا. وكان اللقاء. السلام… والابتسامات… والشكر الذي ظل أقل كثيرًا مما يستحقونه. التقيت بالغالية أم ريم، وريم، وعلي، ورزان. كانت وجوههم تحمل الصفاء ذاته الذي عرفته في أبي مازن. وقلت لهم بصدق: “هذا ليس مكان إقامة… بل هو مستقركم متى شئتم. فوجودكم بركة، ولقاؤكم عيد.”

عدت إلى السكن… وأغلقت الباب. ثم بدأت أفتح الحقائب. وهنا… بدأ فصل جديد من الحكاية. لم تكن حقيبة. ولم تكن مائدة. بل كانت… “موائد متنقلة.” وكأن بيت أم ريم قد انتقل كله إلى مقر الإقامة. أولها… طاجن دجاج بالبصل. ليس مجرد طاجن. بل لوحة دافئة، تتعانق فيها رائحة البصل الهادئة مع توابل تعرف طريقها إلى القلب قبل أن تصل إلى المائدة. ثم طاجن آخر… دجاج بالخضروات المشكلة. وكأن ألوان الطبيعة كلها اجتمعت في إناء واحد، لتعلن أن الطعام الجميل لا يُطهى بالنار وحدها، بل بالمحبة أيضًا. ثم جاء الأرز الأبيض. أبيض… لكن بياضه يشبه صفحات القلوب الصافية. هادئًا…ومتقنًا… وكأنه خُلق ليحتضن كل ما حوله.

أما السلطة… فلم تكن سلطة. بل كانت بستانًا صغيرًا. خضرةٌ تتجاور مع الألوان، والخيار يصافح الطماطم، والجزر يجاور الفلفل، وكل قطعة موضوعة في مكانها كما يضع الرسام آخر لمسة على لوحته. ثم… الحواوشي. آه… وما أدراك ما الحواوشي حين يخرج من بيتٍ يعرف أن الطعام رسالة. كان مقرمشًا من الخارج، دافئًا من الداخل، ممتلئًا بما يجعل الإنسان يتذكر أفران القاهرة القديمة، وأصوات الباعة، ودفء الأزقة، وحنين البيوت. كل ذلك… من هندسة أم ريم. ولم أقل “من صنعها”. بل من هندستها. لأن الطعام هنا لم يكن يُطهى فقط. بل كان يُبنى. وقد قال أحد الحكماء: “المرأة التي ترتب الطعام بعينها قبل يدها… إنما ترتب محبة أهل بيتها.”

جلست طويلًا أتأمل. لم يكن أكثر ما أدهشني كثرة الأطباق. بل الفكرة. كيف استطاع هؤلاء أن يجعلوا الاهتمام عادة؟ وكيف أصبح السؤال عن الآخرين جزءًا من برنامج يومهم؟ وكيف تحول الكرم عندهم من مناسبة… إلى أسلوب حياة؟ إن البيوت العظيمة لا تُعرف بكثرة ما تملك. بل بكثرة ما تمنح. ولا تُقاس مساحة البيت بالأمتار. بل بعدد القلوب التي يجد فيها الناس مأوى.وقد قال حكيم: “إذا خرج الإنسان من بيتك وهو يشعر أنه أصبح من أهلك… فقد نجحت الضيافة، وإن لم تقدم سوى كوب ماء.” وأحسب أن بيت أبي مازن تجاوز هذه المرحلة منذ زمن.

اللهم يا واسع الفضل، بارك للعزيز أبي مازن، واجعل كرمه نورًا يجري في صحيفته ما جرى الليل والنهار، وأدم عليه لباس الصحة، وسعة الرزق، وراحة القلب، واجعل كل معروف يقدمه سببًا لمعروف أعظم عندك. اللهم بارك للغالية أم ريم، تلك السيدة التي جعلت مطبخها مدرسة في الذوق، ورسالة في المحبة، وألبسها ثوب العافية، وأدم عليها نعمة الرضا، واجعل كل لقمة صنعتها بيديها شاهدًا لها يوم تلقاك. اللهم احفظ ريم، وأقر عين والديها بها، واجعلها من الصالحات المباركات. اللهم احفظ علي، وافتح له أبواب الحكمة، والعلم، والنجاح، واجعل مستقبله عامرًا بالإيمان والخلق الكريم. اللهم احفظ رزان، واجعلها زهرةً تتفتح في بستان الخير، وألبسها لباس العافية والسعادة، واكتب لها من جميل الأقدار ما تقر به عين والديها. واجعل هذا البيت الكريم بيتًا تتنزل عليه البركات، وتظلله الرحمات، وتتعاقب عليه المسرات، ولا تُرى فيه دمعة حزن، ولا يعرف إليه ضيق طريقًا.

وأغلقت الحقائب…لكنني لم أستطع أن أغلق باب التأمل. فبعض الناس… لا يزورونك ليتركوا عندك طعامًا. بل يتركون في قلبك يقينًا جديدًا… أن الأخلاق الرفيعة لا تزال تمشي على الأرض. وأن الكرم ليس فيما تحمله الأيدي… بل فيما تحمله القلوب. وأن أجمل البيوت… هي تلك التي إذا غادرتها، اكتشفت أنك لم تخرج منها وحدك… بل خرج معك شيءٌ من نورها، يرافقك طويلًا، ويذكرك كلما ضاقت بك الأيام أن الله لا يزال يزرع في الأرض عبادًا، إذا أحبوا، أكرموا… وإذا أكرموا أخلصوا… وإذا أخلصوا، تركوا في الأرواح أثرًا لا يمحوه الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top