|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

“وتحسب أنك جرمٌ صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر…”
الإمام علي بن أبي طالب
ليست كل الزيارات سواء… فبعضها يمر خفيفًا، وبعضها يرسو في القلب كأنه ظلّ شجرة أو نسمة عند المغيب. وأنا أغادر بيت العروسين طارق وهاجر، لم أكن أحمل في قلبي مجرد تهنئة ولا أُودّع صديقين وحسب، بل كنت أغادر مشهدًا حيًّا من تلك الفلسفة التي كتبنا عنها يوم 13 مارس 2025: حين يتنفس البحر نور القمر.
لقد رأيت بعيني ما كنا نحاول آنذاك أن نفهمه بالكلمات. رأيت البحر في عيني طارق… ساكنًا، عميقًا، يحتمل الحياة بكل تدرّجاتها دون أن يفقد صمته أو هيبته. ورأيت القمر في هاجر… هدوءًا ينعكس على الأشياء، ويمنحها من معناه. لم تكن تلك مجرد استعارات، بل كانت حياة تبدأ، وتنحت لغتها الخاصة في جدار الأيام.
لغة جديدة لا تُكتب بالحبر
الحب الحقيقي لا يُرى في الصور المعلّقة، ولا يُقاس بعدد التهاني. هو ما يتسرّب من طريقة جلوسهما، من احترام الكلمة وتقدير الصمت، من أن يسبق السؤال نظرةُ فهم، أو أن يُجاب عن القلق بكفّ مطمئنة لا بكلامٍ طويل.
في بيتهما شعرت أن الزمن يتباطأ، لا ليُعيقك، بل ليمنحك فرصة التأمل. كل شيء فيه يقول: نحن لم نجتمع عبثًا، ولم يكن هذا البيت وليد صدفة، بل ثمرة لاختيار ناضج، وصبر طويل، وبصيرة رأت في الآخر شريكًا قبل أن تراه مرآةً للذات.
من 7 فبراير إلى اليوم…
أربعة وستون يومًا من نورٍ لا يخفت
في السابع من فبراير 2025، اجتمع طارق وهاجر في حفل زفاف لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل بداية مشروع روحي يُبنى بالصدق قبل الكلمات. ومنذ ذلك الحين، توالت الأيام، وفي كل منها كان للحب شكل جديد، وللرفقة مذاق أعمق.
الوقت وحده لا يكشف المعادن… بل العشرة، والحوار، والاختلاف، والصبر. وقد بدأ هذا البيت يبرهن، في شهوره الأولى، على أن العلاقة التي تقوم على الفهم، لا على التنازلات، هي التي تثمر وتبقى.
طارق وهاجر.. وجهان لنهر واحد
ما أجمل أن يكون الزواج لقاءَ قوتين لا تتنازعان، بل تتكاملان. طارق، بهدوئه المتأمل، يذكّرني بالأنهار العميقة التي لا تُحدث ضجيجًا، لكنها تُروي الأرض على مهل. رجل يعرف كيف يُصغي، لا ليُجيب، بل ليفهم، وهاجر، بحضورها الرقيق، تمنح للبيت ملامح الأمان، وللكلمات طعمًا خاصًا. ليست متكلّفة، بل حقيقية، حضورها لا يسرق الضوء، لكنه يوزّعه بعدل.
إنهما لا يشبهان الأزواج الذين يتشابهون حتى يذوب أحدهما في الآخر، بل هما أشبه بتوازي ضفتين، كل واحدة تعرف دورها، وتحترم مسار الأخرى، وبينهما مجرى نهر لا يتوقف.
حين يُصبح البيت رسالة
هناك بيوت تُبنى بالحجارة والإسمنت، وبيوت تُبنى بالفكرة والحلم. بيت طارق وهاجر، على صغر مساحته، يحمل في داخله فسحة من الإلهام، كأنك تدخل مشروعًا أخلاقيًا أكثر منه مشروعًا عائليًا. كل تفصيل في علاقتهما يُعلّمك: كيف تُحاور، كيف تختار معاركك، كيف تعتذر، كيف تُعبّر عن المحبة دون أن تُعلنها كل لحظة.
ما بعد طارق وهاجر…
إن قصة طارق وهاجر لا تخصّهما وحدهما، بل تمنحنا جميعًا درسًا هادئًا في زمنٍ صاخب: أن الحب، حين يُؤسس على القيم، لا يحتاج إلى كثير من الصخب ليُثبت وجوده. وأن البيوت لا تُبنى فقط بأثاثٍ حسن، بل بسلوك حسن… وأن الجمال لا يصنعه الغنى، بل تصنعه الروح حين تعفّ، وتحنو، وتفهم. في علاقتهما تذكير لنا بأن الزواج ليس عقدًا بين جسدين، بل عهدٌ بين عقلين وقلبين وروحين، هو لقاءٌ بين نقصٍ ونقص، يُنتج كمالًا يُشبِه الحلم.
وأنا أغادر…
وأنا أغادر بيتهما، لم أشعر أنني أخرج من زيارة تقليدية، بل كأنني أُغلق صفحة جميلة من كتابٍ تمنّيت لو طال. تركتُ لهما دعائي، وذكرت في خاطري جملةً لا تزال ترنّ في وجداني: “الحب الحقيقي لا يُقال، بل يُعاش.”
وها أنا قد رأيت كيف يُعاش.
يا طارق، يا من تحمل الحنان بصمت الحكماء، ويا هاجر، يا من تُضئين بيوت الأيام بنور العاقلات…
إنكم لستما فقط عروسين، بل أنتما مشهد من جمال هذا العالم، حين يُعاش بصدق.
استودعتكما الله، ولقلبي في بيتكما مقعد، إن غادرتُ الليلة، فالمحبة لا ترحل. اللهم يا من تؤلف بين القلوب بحكمتك، وتجمع الأرواح بقدرك، وتزرع الحب في النفوس كما تزرع المطر في الأرض الجافة…بارك لطارق وهاجر في ما بينهما، واجعل ما بقي من عمرهما أجمل مما مضى. اللهم اجعل بيتهما سكنًا، وحديثهما صدقًا، وصمتهما ألفة، وخلافهما طريقًا لفهم أعمق لا لبُعدٍ ولا جفاء.
اللهم ارزقهما من الحنان ما يُنسيهما وحشة العالم، ومن الحكمة ما يُنير دربهما إذا أظلم الطريق. اللهم إنك تعلم ما في قلبي لهما، فاجعل دعائي لهما ربيعًا لا يذبل. آمين… آمين… يا أكرم من يُسأل، وألطف من يُناجى.