زيارة من دقائق خطّت في الوجدان لوحات البقاء

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في زمنٍ كثرت فيه الصور وتقلصت المضامين، تأتي المواقف الصادقة لترسم بمداد الوفاء والخلق الرفيع مشاهد لا تنسى.
وفي زيارة قصيرة لم تتجاوز دقائق معدودة، تلاقت القيم مع الاحترافية في أبهى صورها، لتقدم لنا السيدة الفاضلة أم محمد درسًا عميقًا في إدارة اللحظة بأدبٍ رفيع وعظمة تلقائية. وما بين ترحابها الأخّاذ، واهتمامها الدقيق، ولمستها الإنسانية، تبيّن أن النفوس الكبيرة لا تحتاج إلى كثير وقت لتبهر، بل يكفيها أن تكون على سجيتها العالية، فتغرس في القلوب ذكرى لا تمحوها الأيام. في السطور التالية، وقفة محبة وتأمل أمام مشهد فريد رسمته الأفعال قبل الأقوال.

في أحيان قليلة تمرّ علينا لحظات لا تُقاس بالزمن، بل تُقاس بأثرها، بمقدار ما تُوقظ في النفس من مشاعر، وتخط في القلب من معانٍ لا تُنسى. ومن بين هذه اللحظات، كانت زيارة سريعة، لم تتجاوز سبع دقائق، إلى سيدة فاضلة كأنما انتصبت بيننا شامخةً على جبل من القيم والأخلاقيات الرفيعة. يا الله، ما أعجب ما تصنعه الأرواح العظيمة حين تتجلى في أبسط المشاهد! سبع دقائق كانت كافية لترسم لوحة فنية، لا بالريشة والألوان، بل بسلوكٍ مستقيم، واحترافية بالغة، واستدامة حقيقية لقيم الحفاوة والوفاء والترحاب.

منذ اللحظة الأولى لوصولنا، استقبلتنا السيدة الفاضلة أم محمد استقبالاً يقطر نبلًا وكرمًا. لا تكلف، لا تصنع، بل كانت كما وصف العقاد في عبقرياته: “إن العظمة الحقيقية هي بساطة تنبع من عمق.”
استقبالها لم يكن مجرد مجاملة اجتماعية، بل كان مشهدًا متكاملاً من الدفء والترحاب، صادقًا في السؤال عن المؤسسة، وفريق العمل، بأدق تفاصيله، وكأن نجاحنا نجاحٌ لها، وكفاحنا امتدادٌ لقيمها، ثم ما لبثت أن انتقلت برفق الأمّ الحانية إلى السؤال عن الأسرة والأبناء، كأنما تتفقد قطعةً من قلبها، تسأل لا لتسمع مجرد رد، بل لتطمئن الروح وتربت على الجراح الخفية التي لا يُظهرها إلا سؤال محبّ.

ولم تكتف بذلك، بل حملتنا إلى ميدان المسؤولية، تسأل عن الإجراءات، والمستجدات، وتُصغي بإصغاء المصلح الذي يهمّه نجاح الرسالة واستقامة الطريق، وما أجمل ذاك الدعاء العطر الذي ختمت به حديثها: “يسر الله أموركم وكتب لكم القبول.”
دعاء خرج من القلب، فطار إلى القلوب قبل أن تلتقطه الآذان.

وما زاد المشهد بهاءً وعظمة، تلك اللمسة الوفية التي نُقشت في الوجدان: إذ استأذنت برقة أن تسلّم معنا على الزوج القعيد شفاه الله وعافاه.
لم يكن مجرد سلام عابر، بل موقف مفعم بالوفاء الصادق، إذ حرصت أن تدعو له، وتحاول – رغم وهنه – أن تشركه في مشهد اللقاء، أن توجهه لأن يرد علينا بقدر استطاعته. يا لها من لحظة امتزجت فيها الرحمة بالوفاء، والاحترافية بالإنسانية، حتى بدا المشهد كأنه صلاة سلوكية تمارسها العظماء في مواقفهم اليومية.

وكأنما تذكرت كلمات محمد الغزالي حين قال: “النفوس العظيمة هي التي تتعامل مع دقائق الحياة وكأنها دقائق رسالة، لا تفوت منها شيئاً إلا وعمرته بالخير.” وكأن كل التفصيلات التي جرت في تلك الزيارة لم تكن عفوية محضة، رغم تلقائيتها الظاهرة، بل كانت انعكاسًا لنهج راسخ، وتربية سامية على مائدة الأخلاق، حيث الاستقامة ليست طارئة، بل طبع، والاستدامة ليست استراتيجية مصطنعة، بل طبيعة أصيلة، وهكذا، أدركنا أن العظمة لا تكمن في طول اللقاءات ولا كثرة الكلمات، بل في إخلاص اللحظة، وصدق الشعور، وروعة الأداء حين يكون الإنسان على سجيته الطيبة، لقد كانت دقائق اللقاء درسًا متكاملًا في إدارة المشهد الإنساني بأعلى درجات الاحترافية الأخلاقية، فلم تكن تحتاج لوقت أطول لتُبهرك، بل كانت كالمطر الخفيف الذي وإن قصر وقته، أثمر في الأرض حياة كاملة.

تسير هذه الزيارة إلى الذاكرة لا لتُنسى، بل لتكون مرجعًا للأيام القادمة، وعنوانًا لمن أراد أن يفهم كيف تصنع القيم المجد، وكيف تُبنى علاقات القلوب قبل علاقات المصالح.
فمن مثل هذه النفوس النادرة تُستقى معاني العمل الرسالي، والإدارة الفاعلة، والبقاء الكريم في قلوب الناس بعد الرحيل.

وفي ختام هذا المشهد الموشى بالمحبة، لا نملك إلا أن نبسط أكف الدعاء، أن يبارك الله للفاضلة أم محمد في أعمالها وأعمارها، وأن يلبس زوجها الكريم ثوب الصحة والعافية، وأن يعم برحمته الواسعة كل مريض أنهكه الوجع وأضناه الألم، وأن يجزيها خير الجزاء على هذا الدرس الصامت في الأخلاق، الذي تحدثت فيه الأفعال بصوت أعلى من كل مقال، فلله درّها… ولله درّ كل عظيمٍ صامتٍ يعمل بصمت، ويبني أثرًا لا يزول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top