|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

ليست الكلمات دائمًا ما نكتبها، بل أحيانًا تُكتب بنا، تمرّ من أرواحنا كما تمرّ الريح بين أغصان الشجر: تُحرّك الساكن وتوقظ الغافل، لكنها لا تستأذن حين تمرّ، ولا تفسّر حين تمضي.
كتبتُ مقالًا ذات فجر، ظننت فيه أنني أرسلتُ كل ما في القلب من يقين واحتراق. كتبتُه لا طلبًا للثناء، بل رجاءً أن تظل الروح حاضرة في فعلنا الإنساني، حتى ونحن نغرق في جداول الأرقام، ومؤشرات الأداء، ومقارنات التقارير.
لكن الكلمة، حين تصدق، لا تموت عند حدود الورق.
لقد عاد النص إليّ بعد أن نشرته، لا بصيغة مراجعة، بل بهيئة تعليقين، كلاهما لم يكن تعليقًا، بل شهادة حياة.
الأول كان من صديق، ما زال قلبه طريًا، وضميره يقظًا، قرأ ما كتبت لا بعينه، بل بوجدانه.
وقف أمام النص كما يقف العارف أمام باب الحكمة، لا ليطرقه فقط، بل ليدخل منه إلى ما وراء المعنى. كتب قائلًا:
“كلماتك خرجتني من هذا العالم المادي الغارق في مادّيته… ليست مجرد مقال، بل معنى إنساني رُسم بقلم الضمير.
رسمتَ الصراع بين سليم وهيثم حتى شعرتُ أنني ثالثهم في الغرفة.
جملة ‘الغاية ليست التقارير، بل الإنسان الذي لا نراه’ ستبقى في ذهني، لأنها تلخّص جوهر الرسالة…
لحظة تحول هيثم حين انكسر قيد الأرقام وأشرق ضميره، لحظة لن أنساها…
الأمل قد يبدأ من فكرة، والفكرة لا قيمة لها إن لم نبدأها بخطوة، ولو كانت صغيرة. البداية فعل مقاومة…”
لم تكن كلماته مجرد إشادة، بل كانت مرآة أرى فيها نصي وقد نضج خارج سياق الكتابة… رأيته وقد صار حياةً في ضمير آخر، وجزءًا من حوار داخلي لا تصنعه الكتب، بل تصوغه الأرواح الصادقة حين تتلاقى.
ثم جاء التعليق الثاني، وكان أدهى وأعمق…
صديق آخر، لا يعلق على النص، بل يفتحه من جهة لم أخطر بها، فيقول:
“فجر اليوم، خطرت لي فكرة: لماذا نقول الأسعار في مشروعاتنا؟ لماذا نُسعّر فعلًا إنسانيًا ليس سلعة؟
منتجاتنا ليست قابلة للتسليع، لا ننافس بها آخرين، ولا تملك تاريخ صلاحية…
هي مشروعات حية، وإن بدت في شكل مستهلكات… فلنقل: كلفة، لا سعر. لنُخرج الفعل الخيري من معجم السوق، ونرده إلى معجم الإنسان.”
أي فكرٍ هذا؟
وأي روح تسكن خلف هذه الكلمات، تجرؤ أن تعيد تعريف اللغة، لا لتتجمّل بها، بل لتطهّرها؟
لقد قال ما نحتاج أن نقوله في كل منشور، وفي كل تقرير، وفي كل عرض تمويلي: لسنا نبيع منتجات، نحن نعيد للإنسان كرامته.
نعم، مشروعنا ليس سلعة، بل حياة… والمشروعات الخيرية لا تُسعّر، لأنها لا تُستهلك. هي لا تُشترى، بل تُؤمن. ولا تُقارن، بل تُبذل.
في زمنٍ نلهث فيه وراء مؤشرات الأداء، ونتفنن في إعداد الجداول التي تُقنع الممول، ننسى أحيانًا أن هناك إنسانًا لم يُرَ، ولم يُحسب له حساب، لأن لا أحد وضعه في الخانة الصحيحة.
وجاء هذان التعليقان ليقولا لنا: انتبهوا… أنتم تُكتبون كما تكتبون. وأنتم لا تصنعون المعنى وحدكم، بل تُكملونه حين يصغي أحدهم لما بين السطور.
كان يمكن أن يبقى المقال في مكانه، مجرد نص.
لكن تعليقي هذين الصديقين جعلاه شهادة: شهادة أن الكلمة إذا صلحت نيةُ كاتبها، صارت بذرةً في أرضٍ لا تُرى، لكنها تعرف موعد المطر.
وشهادة أن القارئ إذا صدق، يمكن أن يصبح هو النص. أن يضيف من روحه ما لم يُكتب، فيصير هو كاتبًا ولو لم يمسك قلمًا.
لذلك لا أكتب اليوم مقالًا جديدًا، بل أكتب اعترافًا:
إن الكلمة لا تكتمل إلا بعيون من تؤمن بها، ولا تُنضج معناها إلا أرواح تقرأ بالقلب.
وأني، أنا الكاتب، لم أعد وحدي صاحب المقال، بل أصبحتُ شريكًا فيه، مع من قرأ وأصغى وكتب بعدي، لا ليسبقني، بل ليوقظ فيّ المعنى من جديد.
ولأني أؤمن أن في كل قارئ صادق كاتبًا مختبئًا، أقول لكل من يقرأ:
لا تكتفِ بالتأثر… أضف بصمتك.
فما نكتبه عن الإنسان، لا يُفهم إلا حين يُستشعر… ولا يثمر إلا حين يُعاد كتابته بلغة الروح.