|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

في صمت الإدارات، حيث تعلو أصوات الأرقام وتخفت نبضات القيم، ثمة صرخة لا تُسمع، تطلقها الرسالات النبيلة حين تُسحق تحت وطأة الجدولة، وتُهمَل في زحمة الاجتماعات. ليست صرخة ألم، بل خذلان: من يديرني؟ من يصونني؟ من يضمن ألا أُبدَّد باسم الأداء؟ حين يُعلَّق النجاح على لافتة العرض المرئي، وتموت المبادئ في الهامش، ندرك أن الإدارة لا تصنع الخلاص إن لم تكن مشروعة من ضمير، ومحروسة بنُبل الرسالة. ابن خلدون، حين خطّ مقدمته الخالدة، لم يكن مؤرخًا فحسب، بل ناقدًا لأنظمة تنهار، لا بفقر الموارد، بل بفساد المقاصد. قال: “الظلم مؤذن بخراب العمران”، وكأنه كان يرى بعين الغيب مؤسساتٍ اليوم تنهار رغم وفرة التمويل، لأنها ظلمت رسالتها، وتنكّرت لمستحقيها، وتحولت إلى مسارح للنفوذ بدل أن تكون جسورًا للخير. فمتى انقلبت الإدارة من وسيلة لصيانة المعنى إلى غاية تحكم عليه بالموت البطيء؟ العقاد، وهو أصدق من عبّر عن قداسة الالتزام، كتب: “الضمير هو قاضي القضاة، لا سلطان عليه إلا من خالقه.” فماذا لو عُزل هذا القاضي في زوايا اللائحة الداخلية؟ ماذا لو صُمّمت السياسات دون أن يُستشار؟ آنذاك، تغدو المؤسسة آلةً تدير نفسها كما تُدار المطابع: تنشر الورق، ولا تقرأه؛ تُصدر القرارات، ولكن دون أن تتساءل إن كانت لا تزال تحمل في قلبها الإنسان. في إحدى المؤسسات، كانت رسالتها إنسانيةً تُبكي القلوب وتستنهض العزائم، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا في تنفيذ برنامجها الميداني، رغم خزانة مكتنزة، وموظفين يحملون شهادات باذخة. لم يكن الخلل في الخطة، ولا في التمويل، بل في غياب “مركز ثقل القيم” داخل المنظومة. كانت المهام تُنجز، لكن بلا روح. كانت المؤشرات تُحقّق، ولكن بلا أثر. كانت الاجتماعات تُعقد، ولكن لا أحد يسأل: “هل لا نزال نشبه فكرتنا الأولى؟” المنفلوطي، في نظراته الذاهبة إلى ما وراء السطور، حذّر من أن “الحياة التي تُدار بلا ضمير، عبءٌ على الحياة نفسها.” لقد أدرك أن فقدان الإحساس بالمسؤولية يجعل الإنسان أداةً تُنفّذ، لا نفسًا تُبادر؛ وأن العيون ترى الأعمال، لكن الله يرى النوايا، ويزن الصدق في ميزان لا يضل. والمؤسسة التي تُبنى على الإخلاص في البدء، لا يكفيها ماضيها إن لم تكن إدارتها واعية لما قد تفقده في الطريق من صفاء المقصد، في يوم مشهود، اجتمعت إدارة تلك المؤسسة لإعادة النظر في أولوياتها. لم يأتِ الإصلاح من مدير صارم، ولا من مراجعة مالية دقيقة، بل من موظفة ميدانية كتبت في تقريرها بخط مرتجف: “الناس هناك لا يحتاجون مشاريع، بل من يفهم معاناتهم كأنها وجعه.” كانت تلك الجملة أصدق من كل تقارير الأداء، وأفصح من جداول البيانات. هزّت ضمير الإدارة، وأيقظت سؤالًا دفينًا: متى ضللنا الطريق؟ متى أصبحت المؤشرات أهم من وجوه المستفيدين؟ من المسؤول عن هذا التيه؟ بدأ التحوّل من هناك، من جملة صادقة، ومن ضمير لم يمت. في التغيير الحقيقي، لا تُعدّل النماذج أولًا، بل تُستعاد الرسالة. لا يُفصّل الهيكل ثم يُنتظر الإلهام، بل يُستحضر الإلهام أولًا، فتُبنى الهياكل على قَدّه. فالمؤسسة، كالجسد، لا تحيا بالشكل، بل بالروح. والروح لا تُدار بالموازنات، بل بالقيم. وحين تخط الإدارة بروح المنفلوطي، وتُدقّق بميزان العقاد، وتُراجع بمقاصد ابن خلدون، لن يضيع العمل وإن تعثر، ولن تموت الرسالة وإن تأخرت. في زمنٍ تتزاحم فيه الاستراتيجيات وتتشابه الهياكل، نحن في أمس الحاجة إلى أنسنة الإدارة، إلى تحويل “نظام المتابعة” إلى “نظام مراجعة الضمير”، وإلى تأسيس ما يمكن أن نسميه بـ “ذاكرة الرسالة المؤسسية” ذاكرة تذكّر كل وافد وساعٍ: لماذا وُجد هذا الكيان، ولأجل من؟ الإدارات التي تنسى رسائلها تُشبه سفنًا تقودها بوصلة معطوبة، تمخر البحر ظاهريًا، لكنها تائهة عن البر. لذلك، ينبغي أن يُعلَّق في كل مكتب إدارة سؤالٌ لا يُنسى: هل لا نزال نشبه أنفسنا يوم بدأنا؟ ليس سؤال شك، بل سؤال يقظة. فالإدارة، في جوهرها، ليست قرارات تُنفّذ، بل أمانة أخلاقية تُحمَل، وإن كانت المؤسسة أداة، فالرسالة هي الغاية، وكل إدارة لا تقود إلى غايتها، خيانة ناعمة باسم التنظيم. لا نريد إداراتٍ تُتقن التفاوض وتفشل في الإحساس، ولا مؤسساتٍ تُجيد الكتابة ولا تُحسن الوفاء. نريد كيانًا يُدار كأن رسالته أمانة سنُسأل عنها، وكأن المستفيد فيه هو الله: يرى ولا يُنسى، يسمع أنين المظلوم ولو لم يُدوَّن، ويعلم الجهد الصادق ولو لم يُحتسب. عندها فقط، تتحرر الإدارة من جمودها، وتصبح مؤسسةً بروح، لا آلةً بلا قلب. ويبقى الأثر، وإن غاب أصحابه، شاهدًا على أن القيم إذا حكمت، فإن كل شيءٍ يصبح ممكنًا. |