حين يمشي الحياء على الأرض…في وداع السيدة زينب الشراقي” أم أحمد سامي”

Getting your Trinity Audio player ready...

حين تُطوى صفحةٌ من كتاب الذاكرة، لا يعني أنها انتهت، بل إنها بدأت فصلاً آخر في سجل الأرواح. نودّع اليوم السيدة الجليلة زينب الشراقي، “أم أحمد سامي”، إحدى النجمات الخفيّة في سماء ههيا الشرقية، المنحدرة من بيتٍ كريم الأصل، بهيّ الفرع، هو بيت الفاضل الراحل أحمد الشراقي، حوض نجيح، ذاك البيت الذي نبت فيه الحياء كما ينبت النخل في طمي النيل، يعلو ولا يتطاول، ويثمر بلا ضجيج.

لم تكن الحاجة زينب امرأةً عادية، بل كانت سكينةً تمشي على الأرض. يندر أن تسمع صوتها، لا لأن الحياة غابت عن لسانها، بل لأن وقارها كان أبلغ من الكلمات. عُرفت بالحشمة، والحياء، والدماثة، كأنما كانت صدىً لتربية ذلك الجيل الذي تربى على عين الله وفي كنف البيوت المضيئة بنور الأدب والدين. حين نزلت مع زوجها العزيز الأستاذ سامي النجيحي- رحمه الله- جارًا لأسرتنا في حي ” أبو راشد “، لم تكن جارةً فقط، بل كانت إضافةً نقيّةً لمكانٍ طالما عبق بأريج المحبة. في بيتهم، كانت الأصالة ضيفًا مقيمًا. كرم، ونظافة، وذوق راقٍ، وسكينة تنبع من عمق الأخلاق. ما أجمل هذا البيت… ما أصفاه وما أزكاه!

كنت أراها تمشي بوقار لا تقدر عليه الكلمات، كأنما تمشي ووراءها دروس التربية والخلق، مدرسةٌ من الصمت الناطق، والحياء المضيء. فقلت كما قال الرافعي في أمثالها: “الحياء جمال في النفس، لا في الوجه فقط؛ هو ضوء الروح حين يسطع من الداخل.” لم تكن المرأة فقط، بل كانت امرأةً تحمل في خطاها ظلال الأمهات الأوائل، اللواتي تربّت على أيديهن أجيالٌ تُذكر فتُحمد. ربت أبناءها بصمتٍ تربويّ، وخدمةٍ صادقة، جعلت من كل موقفٍ لها درسًا، ومن كل حضورٍ لها ذكرى عطرة لا تزول.

قال السباعي: “المرأة الصالحة لا تعدلها كنوز الأرض، لأنها تصنع رجالاً يعرفون معنى الحياة.” وما أكثر ما صنعت الحاجة أم أحمد زينب من معاني… في طهارتها، في خدمتها، في وفائها لزوجها وأبنائها، في سكوتها حين يكون الصمت حكمة، وفي دعائها الذي كان سلاحًا ومتنفسًا.

وكانت المواقف التي جمعتنا بها كثيرة، منها ما تلاشى في تفاصيل الأيام، ومنها ما ترسّب في القلب، لا يُنسى. وجهها حين تضيء به الابتسامة، وعباراتها حين تهمس بها خافتةً، مليئة بالرضا، كما لو أن في داخلها عالماً من الطمأنينة لا يُنتهك.

ها نحن نودّعها اليوم، وألسنتنا تلهج بالدعاء، وقلوبنا تفيض بالامتنان. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة، وأكرم نزلها، وطيّب ثراها، وارفع درجتها، واجعلها في صحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. يا من زرعتِ الحياء في أبنائك، وورّثت الصدق لذريتك، وكنتِ مثالًا للزوجة الصابرة، والأم المربية، والجار الصالح… نم قريرة العين. فالناس يشهدون، وربك لا ينسى.

إلى آل الشراقي، وكل الطيبين من حوض نجيح، تعازينا القلبية، ودعاؤنا أن يُثبّتكم الله ويجعل البركة في أعقابكم. إنها خسارة جسيمة، لكن عزاءنا أنها كانت من الذين تركوا في الحياة بصمةً لا تُمحى، وأثراً لا يُنسى.

وفي الختام، كما قيل: “إذا مات فينا الحياء مات فينا كل شيء”، وقد عاشت الحاجة زينب وماتت، والحياء تاجٌ على رأسها لا يسقط. اللهم اجعلها من أهل الجنة، وارزق من بقي بعدها صبرًا جميلًا، واملأ بيوتنا بأمثال أخلاقها، وامنحنا جميعًا خاتمة طيبة في رضاك.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top