في رحاب الجامع والجامعة…حين تمشي الرسالة على قدمين

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

لم يكن ذلك ظهيرة عادية في زنجبار. كانت الشمس تتكئ على عرشها في كبد السماء، تصب حرارتها في وجوه العابرين كأنها تختبر صبرهم على احتمال الرسالة. وفي تمام الثانية بعد ظهر الخميس 25 ذي القعدة 1446، 23 مايو 2025، ، رغم تأخرنا تسع دقائق كانت كفيلة بأن تحرج الاعتذار، وجدناه واقفًا، باسمًا، صافي الوجه، كأنما حضوره هناك سبق ظلاله، يوزع الحفاوة كما يوزع التمر على الضيوف في موسم حجّ روحيّ دائمٍ لا ينقطع. إنه الأستاذ عبدالقادر عثمان حافظ، الرجل الذي لم يكتفِ بأن يؤسس جامعة، بل اختار أن يقيم فيها، ويصلي في مسجدها، ويأكل من مطعم طلابها، كأنها جسدٌ هو روحه، أو وطن هو قلبه النابض.

كنا على موعد مع رجل لا تصفه ألقاب الشهادات، ولا تسعه قاعات المؤتمرات. رجلٌ يشبه أبطال العقاد في نفاذ بصيرتهم، ويشبه حكماء الرافعي في إخلاصهم، ويشبه ذاته في تفرده، ولا يشبه أحدًا في سيرته. نصف ساعة من الحديث في مكتبه كانت كافية لنعلم أننا لا نقف أمام مدير أو مؤسس، بل أمام صاحب رسالة، ومهندس معنى، ومؤرخ مبانٍ تنطق بحبّ العلم والدين. سرد لنا ملامح النشأة، لا بوصفه راويًا يحصي التواريخ، بل كأنما يُعيد بناء الجامعة حجرًا حجرًا أمام أعيننا. كل مبنى له حكاية، وكل زاوية تحمل ذكرى، وكل قرار خلفه نية تتوضأ بالتقوى قبل أن تمضي إلى التنفيذ. من شرفات المباني تنبعث رائحة الإخلاص، ومن نوافذها يطل الأمل، ومن تصميمها المعماري، تجد روح المعايشة. لم يكن الأستاذ عبدالقادر في جولة تعريفية، بل كان يطوف بأبنائه — بنا — على قلبه، يفتح لنا شرايين البناء كما يفتح العاشق ديوانه. ورغم حرارة الجو الخانقة، ورغم نصيحة مدير الجامعة بأن يستريح نظرًا لوضعه الصحي، أصرّ على أن يصحبنا بنفسه. لم يكن تحدّيه للمرض عنادًا، بل كان إيمانًا بأن القائد الحقيقي لا يُفوِّض الشعور، بل يمنحه. لقد كان يعرق، نعم، لكنه كان يعرق من عزيمةٍ لا تعرف التوقف. وكأنما كان يقول لنا ما قاله الرافعي ذات يوم: “إننا لا نموت من المرض، بل نموت حين تنتهي رسالتنا.” خلال الجولة، تتسلل إلينا لمسات عبدالقادر في تفاصيل العمارة. كان هو المهندس حين غاب المهندس، والمشرف حين شحّ المشرف، والعامل حين اقتضى البناء حضور الجسد. جعل من الهواء نفسه مادة بناء، فصمّم التهوية في القاعات كأنها تدبير سماء. لم تكن الجامعة مجرد مبانٍ جامدة، بل كيانًا حيًا تتنفس فيه الأفكار، وتكبر فيه الأرواح.

وفي ثنايا المسير، توقّف عند المسجد. لم يلقِ محاضرة عن الدين، بل ألقى على الأرض ماء وضوئه، ثم صلى ركعتين في هدوء. لا ليراه أحد، بل لأن قلبه اعتاد أن يتنفس الصلاة كما يتنفس الأمل. عندها فقط، أدركنا أن هذا الرجل لا يسير بنا في جولة، بل في رحلة إيمانية تربط بين العِلْم والدِّين، بين التشييد والتسبيح، بين العَقل والقلب. ولعل أجمل ما في هذه الرحلة، كان حديثه المتكرر عن رفيق دربه، د سليمان باشا. لم يكن يذكره بوصفه مجرد صديق، بل بوصفه “ثاني اثنين” كما عبّر. كلما ذكره، شعرنا بوفاء عظيم يسكن حديثه، ممزوجًا بدعاء يرفعه إلى السماء دون تصنع. ذلك الوفاء لم يكن حالة شعورية عابرة، بل مبدأ حياةٍ لا يموت بموت صاحبه. وكأن عبدالقادر يسير اليوم على الأرض ليكمل ما بدأه هو وسليمان بالأمس.

في قاعة من قاعات الدراسة، صافح بعض الطلبة، ووقف بينهم، وقال — بحماسة الأب لا الإداري — “فيكم رئيس دولة قادم”. لم تكن كلمة تملق أو خطاب تحفيز، بل يقين رجل يرى ما لا نرى. رجل أدرك، كما أدرك مالك بن نبي من قبل، أن بناء الأمة يبدأ ببناء الذات. فحين يعامل الأستاذ طلابه على أنهم صناع مستقبل، لا متلقو معلومات، يتحول التعليم إلى ثورة أخلاقية. كانت اللفتة التالية منه مفاجئة أخرى: قرر أن نتناول الغداء من مطعم الطلاب. لا لأن الطاولة كبيرة، بل لأن قلبه يتسع. شاركنا طبقًا بسيطًا، لكنه كان عامرًا بمعنى الانتماء. كانت تلك الوجبة درسًا في التواضع، وعنوانًا لإيمانه بأن القيادة لا تُمارَس من برج عاجي، بل من الصفوف الأولى في مطاعم الطلبة ومساجد الحرم الجامعي.

وفي لحظة عابرة من الحديث، قال عبارة لم تُكتب على الجدران لكنها حفرت في وجداننا: “هذه الجامعة ليست مؤسسة، بل هي ابني الأكبر.” فمن يبني ابنًا يربيه، ومن يربي ابنًا يحميه، ومن يحمي ابنًا يعيش فيه، وها هو يعيش في الجامعة بين أسرته، لا كإداريٍّ مقيم، بل كأبٍ لا يغادر حضن أبنائه.

تحدث عن تطلعاته لمستقبل الجامعة كمن يتحدث عن دولة في رحم الغيب. أرادها مركز إشعاع للهوية، ورافعة لفكر التبيان، ومنصة لتأهيل الأسرة، القادة والأمة. رؤيته ليست أكاديمية باردة، بل عقيدة حياة، وإيمان بأن العلم يجب أن يكون تقوى، والتعليم رسالة لا مهنة. كان واضحًا أن الرجل يحمل في قلبه حنينًا إلى مكة أو المدينة، لكنه آثر أن يبني في زنجبار ما يشبههما — مسجدًا وأسرة وجامعة وأمة.

في زوايا حديثه، كانت التقوى هي الخيط الذي يربط المعمار بالمعنى، والهيكل بالهدف، والرؤية بالحساب الأخروي. هو يؤمن — كما يؤمن المسيري — أن “الإنسان لا يُختزل في الماديّ، بل يسمو حين يتصل بالسماء.” ولذلك فإن رسالته لا تتوقف عند التعليم، بل تنطلق من العقيدة، وتسير على هديٍ من كتاب الله وسنة نبيه.

حين ودعناه، كان ذلك على أمل لقاء في الغد. لكنه في الحقيقة، لم يكن وداعًا. لقد زرع فينا في تلك الساعات القليلة ما لا تُزرعه محاضرات، ولا مؤتمرات، ولا كتب. زرع فينا فكرة أن الجامعة يمكن أن تكون حياة، وأن المباني يمكن أن تتحدث، وأن العرق في ظل الشمس أحيانًا أنبل من الحبر على الورق، لقد رأينا بأعيننا رجلاً يمشي برسالته، يتعب لأجلها، يتوضأ من أجلها، ويعيش داخلها. رأينا عبدالقادر عثمان حافظ، لا فقط مؤسس جامعة زنجبار، بل مؤسس معنى جديد للقيادة، للتعليم، وللإيمان. وسيبقى في ذاكرة كل من قابله أن الرسالة — حين تنبع من القلب — لا تحتاج لميكروفون، بل تمشي على قدمين، وتبني أمةً، وتوقظ أملاً، وتصلي ركعتين في منتصف الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top