|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

(1) مشهد الذاكرة الأولى: رابع ذي الحجة)
في نيروبي، حيث يتهجّى الغيم حروف السماء بلغةٍ لم نألفها، كان اليوم الرابع من ذي الحجة يتقدّم إلينا بصيامٍ نواياه أكبر من المعدة، وأعمق من العطش. هناك، تحت سقف الترقّب، لم يكن الإفطار موعدًا لكسر الجوع، بل نافذة تُطلّ منها الروح على بُعدٍ خفيّ من الطمأنينة.
وفي ذلك المساء بالذات، حيث الصائم ينتظر رائحة النضج لا دقّات الأذان، اجتمعنا على مائدة لم تكن طعامًا فحسب، بل فصلًا آخر من فصول الحكاية. كان د أبو يحيى هناك، يحمل على كتفيه عبق الأيام ونُبل الصحبة، وإلى جواره، يد الغالية د أم يحيى تكتب في صمتها، دون حبر، ملامح العطاء.
(2) الأمس.. ما قبل البحر)
لم تكن ليلة البارحة على ما يُرام. المائدة البحرية التي اخترناها خارجيًا، خذلتنا. طعم السمك بدا غريبًا، والنكهة كانت غائبة كأن البحر أنكر ملوحته، أو أن الطهاة خانوا ميثاق اللهب. خرجنا وفي الروح شيء من العتب، وفي القلب حنين إلى بساطة يُتقنها البيت أكثر مما تُجيدها المطاعم.
كانت مائدة الأمس، رغم نواياها، فقيرة الروح. كأنها قصيدة موزونة بلا شعور. وعلمنا – متأخرين – أن الجوع حين يكون مشحونًا بالحب، لا يرضى إلا بما يُطهى على نار القلب لا الفحم.
(3) رسالة من البحر)
صباح اليوم التالي، وقبل أن تبدأ جلسات العمل، وصلت رسالة مقتضبة من د مدحت. لم يكن فيها كلمات كثيرة، لكنّها حملت ما يكفي من الإشارة لتُطمئن القلب: “بس وصلت البحر أجيب سمك صابح تفاديًا لمشكلة الأمس.” هنا تبدأ القصة، وهنا يتحوّل السمك من طعامٍ إلى بيان. البحر الذي أدار وجهه ليلة أمس، فتح اليوم صدره، كأنّه يُقدّم اعتذارًا مالحًا بطعم الموج.
(4) حين تطبخ يدٌ تُحب)
عند أذان المغرب، كانت المائدة مختلفة. لا من حيث الشكل، ولا من حيث التنسيق، بل من حيث الروح. كانت د أم يحيى – تلك اليد الغالية – قد نسجت مشهدًا لا يُوصف. طُبخت المأكولات كأنها فقراتٌ من كتاب الروح، واصطفّت الأطباق كأنها أبيات معلّقة على جدار الجوع.
تمرٌ جزائري، يشبه بواكيره طلاوة البداية في قصيدة العقاد، وشوربة “سي فود” بالخضار بدت كأنها استيعابٌ للطبيعة كما وصفها ابن خلدون: “الأمزجة المختلفة هي التي تولّد النكهات لا المكونات.” طبق طحينة يشبه هدوء النوايا، وأطباق روبيان مقلي تلامس شهوة المتذوّق دون أن تُفسد جمال الصيام. ثم صينية سمك بالبطاطس، تعجز أمامها عن اختيار ما تبدأ به، فكل قضمة توحي بأن للبحر ذاكرة وللحب يد. وها هو الأرز بالخضار يملأ الفراغات بين الطبقات، كما كانت فواصل الرافعي تربط الجمال بالفكرة، لا بالعلامات. وإلى جانب كل ذلك، جلس طبق من البصل الأخضر والليمون، بسيطٌ في ظاهره، عميق في رسالته، كأنّما جاء يُعلّمنا أن النكهة ليست في التعقيد، بل في الوفاء للأصل. وبجوارِه طبق آخر من الطماطم المخللة بالثوم، طاغية الحضور، لاذع التأثير، يُجالس السمك كصديقٍ قديم يعرفه حق المعرفة. كان المذاق فيه أشبه بمزاج الرافعي حين يكتب في لحظة صفاء، تتقاطع فيها الفصاحة مع الشوق.
أما الحلوى، فهي فصلٌ آخر. “أم علي” حضرت على هيئة صينية كهربائية تُبقيها دافئة، كأنها تقول: “لن أبرُد، ما دام الودّ دافئًا.
(5) الاعتذار الذي لم يُلتفت إليه)
على يسار المائدة، وُضع طبق سمك مشوي. بدا وحيدًا، صامتًا، كأنه خارج المشهد. لم يلتفت إليه أحد. لكن في عمق الوعي، كان ثمة من يعرف أنه ليس طعامًا، بل رسالة اعتذارٍ متأخرة. صاحب المائدة السابقة أرسله معتذرًا، لكن لا أحد تذوّقه، لا لأنهم نسوه، بل لأن الطبق لم يُطهى على نار المحبة، بل على ندمٍ بارد. إنه الفرق بين الطعام الذي يأتيك بنية الجبر، وذلك الذي يصلك بنية الإكرام. وما بين هذين، يَصنع الصيام فرقًا، وتفصل نِيّة الطاهي بين الذكرى والخطيئة.
(6) حين تكون المائدة مقالًا)
كانت المائدة ذلك اليوم أشبه بمقالٍ بلا عنوان، تكتب فيه الروائح والنكهات والفواصل الحرارية فصلًا من فصول البيان. لم تكن مجرد أطباق، بل كانت سردًا ناعمًا لما يمكن أن تفعله يدٌ تُحب، وقلبٌ يُتقن البذل، وروحٌ تؤمن أن الضيافة ليست مجرّد واجب، بل فنّ يتقنه الأنقياء.
تذكّرتُ قول الرافعي: “الطعام حين يُعدّه الحبيب، يشبعك قبل أن تأكله.” وكأنّ تلك اليد التي أعدّت السمك، كانت تُداوي غصّة الأمس، وتعيد ترتيب العلاقة بين البحر والذوق.
(7) ما لا يُقال)
بعد أن انفضّ الجمع، وقام الشكر مقام المديح، نظرتُ إلى تلك اليد التي صنعت المائدة، فلم أستطع إلا أن أُقرّ – كما قال ابن خلدون – بأنّ العادة إذا تكررت، أصبحت ملكة. ولعلّ هذه اليد، اعتادت الكرم حتى أصبح الجمال فيها فطرة، لا تكلّف. وربما كانت تلك المائدة درسًا آخر في الحياة: أن التفاصيل الصغيرة هي التي تُعطي المعاني عمقها، وأنّ إفطارًا بسيطًا في نيروبي، بأربعة أطباق بحرية ويد غالية، قد يكون أبلغ من ألف موعظة.
خاتمة: ليست كل الموائد مادية. بعضها يُبنى من تمرٍ وحب، وبعضها من شوربةٍ وصمت، وبعضها من سمكةٍ مشوية لم يأكلها أحد، لكنها علّمت الجميع أن الاعتذار الصامت قد لا يُؤكل، لكنه يُفهم فطوبى لتلك النفس الكريمة، التي طبخت من الحب طعمًا، ومن العطاء نكهة، وطوبى لقلوبٍ شنوانيةٍ رقيقة، إذا أعدّت مائدة، أطعمتك من دفء روحها قبل أن تُقدّم الطعام، وإذا أفطرت، أفطرت الملائكة معها.