إشارة بأصبعين… واستنطاق للمعنى

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

في اللقاءات الأولى، تتناثر الكلمات كما تتساقط أوراق الشجر في بداية الخريف، لا تدري أيّها ستبقى على أرض القلب، وأيّها ستحمله رياح النسيان. لكن هناك كلمات، بل مواقف، تتجاوز الزمن، وتستقرّ في الأعماق كأنها كُتبت بالحبر السرمديّ للذاكرة.

في إحدى جلسات التعارف مع الأستاذ عبدالقادر عثمان حافظ، وبين أيدٍ تُصافح، وعيونٍ تتبادل البشاشة، كانت البداية عادية، كغيرها من لحظات التقديم والتعارف، حتى إذا جاء الدور على أحد الإخوة الحضور ليُعرّف بنفسه، وقف وقال بلهجةٍ صادقة يغلفها الحياء: “أنا حديث العهد بالعمل الخيري، وعمري فيه قصير…”
ثم رفع يده وأشار بإصبعيه – السبابة والإبهام – متقاربَين، ليجسّد بقامته وبإشاراته ما قاله لفظًا، في اختصارٍ متواضع لحاضره في هذا المضمار.
هنا، التفت الأستاذ عبدالقادر نحوه، بعينٍ فيها من الأبوة بقدر ما فيها من البصيرة، وقال بكل ودّ، وابتسامة من يملك عُمقًا في القول: “إذن… فأنت الفائز!”

انفرجت القلوب قبل الوجوه. لم يكن تعليقًا عابرًا، بل كان ردًّا فيه من الدفء ما يكفي لإذابة حواجز المكان، ومن الحكمة ما يجعل الكلمات دروسًا، ومن التقدير ما يرفع الهمم. لم يردّ عبدالقادر كي يُجامِل، ولا ليُظهر بسطةً في الفهم، بل ليؤسس لمفهومٍ راقٍ عن معنى “الزمن في العمل الخيري”.
لقد أراد أن يقول – دون أن يقول – إن معيار الأثر لا يُقاس بطول المدة، بل بصدق البذرة. فالقلوب الصادقة حين تدخل ساحة الخير، فإنها تُسبَق بأثرها، وتسبق الزمان ببركتها.
كما قال الرافعي: “العمل الذي يُولد من إخلاصٍ، يعيش أكثر من عمر صاحبه.”

تلك اللحظة، بما حملته من دلالة، كشفت عن ملامح مدرسة فكرية يؤمن بها هذا الرجل القادم من المدينة المنورة، لا باعتبارها موطنًا فحسب، بل باعتبارها منبعًا للنور والتوازن. هو لا ينظر إلى الورق، بل إلى القلوب. ولا يقيّم الناس بالمدد، بل بالنية والمقصد. وكأن صدى العقاد يهمس في الخلفية: “الإنسان لا يُقاس بطول بقائه في المكان، بل بما أضاف إليه من معنى.”

تلك الكلمات الوجيزة، من عبدالقادر، كانت كفيلة أن تنتشل ذاك المتحدث من ضيق “قلة الخبرة”، إلى سعة “عظيم المعنى”. كأنما قال له: إن كنت صادقًا، فأنت أسبق مني، وإن كنت مخلصًا، فقد وصلت.”

الصدق، عند عبدالقادر، ليس زينةً تُعلّق على الألسنة، بل مِفتاح يُفتح به باب السماء للعمل. وهو في كل ما يقول ويفعل، يَسعى لأن يُعيد تعريف المعايير: فالعامل ليس بمن قضى سنينًا، بل بمن حيّا القيم في أيامه.
والمؤثر ليس بمن ملأ السير الذاتية، بل بمن أحيا الضمائر. ذلك التعليق، البسيط في لفظه، العظيم في أثره، كان كافيًا لأن يُشعر كل من في القاعة أن لكلّ واحدٍ منهم مكانًا، مهما كان عمره الزمنيّ في الميدان. لقد بثّ فيهم روح التقدير، وبنى فوق اللحظة جسرًا من الإلهام.

ولعل أعظم ما في عبدالقادر أنه لا ينطق بفكرة إلا وتسبقها نية، ولا يبدي حكمة إلا وتنبع من قلبٍ موصول بالله، يعتزّ بدينه، ويرى في التقوى مَعينَ النجاح. هو لا يفصل الإيمان عن الإدارة، بل يجمعهما كما يجمع الجذر بالساق.وكما قال المسيري:“الإيمان هو إدراك المعنى العميق للأشياء… هو ما يجعلنا نفهم العمل الصغير في سياق الغاية الكبرى.” وهكذا، لم تكن الجلسة تعارفًا تقليديًّا. كانت درسًا في المعنى. وفي تقدير الخطى، لابعددها، بل بوجهتها.
وفي تصحيح الموازين التي تُقاس بها القامات، لا الأطوال الزمنية. إن عبدالقادر لم يعلّق ليُظهر أنه أكثر علمًا أو أوسع تجربة، بل علّق لأنه يرى في كل مبتدئٍ مشروع مُلهِم، وفي كل خُطوة أولى بشارةً بأثرٍ قادم.
وكأنه يُردد في سره، ما قاله أحد الحكماء: “ليس المُبتدئ قليلًا… إنما القليل من لا يبدأ.”ولعلنا، بعد هذا الموقف، نتعلم أن الكلمات الصادقة لا تحتاج إلى مؤتمرات، بل إلى قلبٍ نابض، ولسانٍ حكيم، وزمانٍ مبارك يُقال فيه القول فيصير ضياءً. وهكذا مضى اللقاء، لكن بقيت الإشارة، لا بأصبعي الرجل، بل بكلمة الفائز التي أطلقها عبدالقادر، ففتحت لنا أبوابًا من التأمل، في من نحن، وماذا نريد، وما قيمة ما نزرعه في حقل هذا الخير العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top