حين يُورِّث الإنسان النور

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

في زوايا جزر زنجبار، حيث تلامس أشعة الشمس خضرة النخيل، وتتراقص الأمواج برقة على شواطئ المحيط الهندي، تقف جامعة زنجبار شامخة كمنارةٍ للعلم وسط بحرٍ من التحديات والأمل. كان اليوم مشمسًا، والسماء زرقاء صافية، حين خطونا في أروقة الجامعة، نراقب طلابًا يسيرون بين القاعات بعيون لامعة، وكأن كل واحد منهم يحمل مستقبلًا لا يُرى، لكنه يُحَسّ، يُنبئُ بأن شيئًا عظيمًا يُصنع هنا، بهدوء، وعلى مهل.

دعينا إلى لقاء خاص مع أحد أعمدة الجامعة، رجلٌ ترتسم الحكمة على محياه كما ترتسم التجاعيد على وجه الأرض حين يُغسل بالمطر. اسمه عبدالقادر حافظ، أستاذ جامعي، مربٍّ قبل أن يكون أكاديميًّا، تجده في حديثه بين دفء الأبوة ونباهة الفلاسفة. جلسنا إليه في مكتبه البسيط، لكنه ملآن بالكتب، وتفاصيله تتحدث عن سنوات من الحفر العميق في تربة المعرفة.

بدأ الحديث تقليديًّا عن الجامعة، عن البرامج والمناهج، عن التحديات، عن الإمكانات المحدودة والطموحات التي لا حدود لها. كان يتحدث بنبرة الواثق الهادئ، كمن يعرف الطريق رغم أنه وعر، ويمشيه بقدمين من إيمان. ولكن في لحظةٍ غير متوقعة، انزلق الحديث إلى حيث لا يتوقّعه أحد، حين سألناه عن الأثر الحقيقي للتعليم في المجتمعات.

ابتسم، ثم ساد صمت قصير، قبل أن يرفع رأسه ويقول، كأنما يُخرج من قلبه حقيقةً لا يتعب من تكرارها: “المتعلم يا سيدي لا يتعلم لنفسه فقط، بل لأطفاله من بعده… الطالب الذي يتخرج من هنا، من هذا الحرم، سيُحرص – دون أن يُطلب منه – على أن يُعلّم أبناءه. هذه طبيعة التعليم، أنه لا يتوقف عند حدود الفرد، بل يمتد إلى سلالات من النور.”

كانت الجملة بسيطة، لكنها مثل رصاصة من ضوء، اخترقت صمت الغرفة. لم تكن مجرد ملاحظة أكاديمية، بل حكمة حياة. تخيلتُ فجأة الطالب وهو يغادر قاعات الجامعة بعد تخرجه، يحمل شهادته تحت ذراعه، وعيناه تلمعان بفخر. لكن ما لا يظهر على السطح هو البذرة التي زُرعت بداخله، بذرة ستنبت ذات يوم في قلب أطفاله، حين يصر على أن يذهبوا إلى المدرسة، حين يُقاوم الظروف من أجل تعليمهم، لأنه ببساطة… يعرف ماذا يعني أن يتعلّم الإنسان.

واصل الأستاذ عبدالقادر حديثه، وكنت أشعر أن الكلمات لا تخرج من فمه بل من عمق ذاكرة عاشقة لهذا الوطن، وقال: “التعليم لا يُغيّر الفرد فقط، بل يغيّر شجرة العائلة بأكملها. لقد رأينا ذلك مرارًا… طالبٌ واحد، تُفتح له أبواب الجامعة، وبعد عشر سنوات ترى أخوته، ثم أبناءه، يأتون خلفه. التعليم يُصبح عادة، يُصبح إرثًا.”

شعرتُ في تلك اللحظة أننا لا نكتب تقريرًا، بل نحاول أن نوثق سيرة قديسٍ حديث، آمن بأن المصابيح توقد بالعلم، وأن الظلام لا يُمحى إلا بالقراءة. في حديثه لم يكن يتحدث عن نظريات تنموية ولا خطط خمسية، بل عن تجربة إنسانية خالصة، عن كيف يمكن لقطرة العلم أن تُغير مجرى نهرٍ كامل.

تأملتُ طلاب الجامعة مجددًا، وجوههم، خطواتهم، ضحكاتهم، ثم تساءلت: كم فيهم من سيُصبح الأب أو الأم التي ستجلس يومًا ما مع طفلها وتقول له: “اذهب وتعلم، كما فعلتُ أنا من قبلك”؟ كم من هؤلاء يُهيّئون الآن مستقبلًا مجهولًا لأبنائهم لم يُولدوا بعد؟ كم بذرةً تُزرع اليوم على مقاعد الجامعة، ستُثمر بعد عقدٍ أو عقدين؟

العلم، كما وصفه الأستاذ عبدالقادر، ليس حرفة ولا مرحلة، بل رؤية طويلة الأمد، كالنخلة التي لا تُثمر في العام الأول، لكنها حين تُثمر تُغني أجيالًا. ربما لم تكن جامعة زنجبار تمتلك أبراجًا عالية ولا مختبرات بأحدث التقنيات، لكنها تمتلك ما هو أثمن: قناعة راسخة بأن المعرفة تملك قوة العدوى… تُصيب الإنسان، فتتوسع في دمه، وتنتقل منه إلى ذريته، وتصبح في النهاية جزءًا من هوية الأسرة، والحي، والمجتمع.

الأستاذ عبدالقادر لم يكن في تلك اللحظات أستاذًا جامعيًّا بقدر ما كان شاهدًا على تحولٍ مجتمعيٍ صامت، تحوُّل لا تصنعه الخطابات ولا المشاريع الطارئة، بل تصنعه قاعات صغيرة، ومعلمون عاديون، وطلاب لا يملكون سوى الأمل.

وأنا أغادر الجامعة، لم أستطع إلا أن أتخيل وجه الخريج القادم، الذي سيحمل شهادته إلى منزله، وسيتأمل أطفاله في صمت، ثم يعاهد نفسه أن لا يحرمهم من ذات الشعور، من ذات الفخر، من ذات القدرة على النهوض بذاتهم. في تلك اللحظة، فهمتُ ما قاله الأستاذ عبدالقادر بعمق: “المتعلم يورّث النور.” ليس النور في عينيه فقط، بل في عيون من يأتي من بعده.

الجامعات لا تبني الأفراد فقط، بل تصنع أجيالًا لم تولد بعد. والتعليم ليس سلّمًا يصعده المرء وحده، بل دربًا يُمَهِّده لغيره. وهذه الجامعة، في قلب زنجبار، تفعل بالضبط ذلك… تُرَبِّي اليوم أناسًا، سيُربّون غدًا أممًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top