أيام القيادة النورانية

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

مقدمة: حيث تبدأ الحكاية

في تاريخ الزمن لحظات لا تتكرر، ومواسم لا يُقاس فضلها، وأيام تتنفس فيها الأرواح معنى العلو… إنها العشر الأوائل من ذي الحجة، حين يشرق الكون بنداء السماء، وتُفتح أبواب العروج إلى المعنى، وتتحول اللحظات إلى دروس، والعبادات إلى رسائل، والعزائم إلى مصابيح تنير درب القيادة. ليست هذه الأيام مجرد مناسبات تعبدية، بل هي مصنع رباني يُخرج أعظم القادة، ويختبر فيها الطائعون بموازين القلوب، ويصعدون مراتب الإيمان كما لا يُصعد في غيرها. من محراب إبراهيم، إلى مشهد الذبيح، إلى وقوف في عرفات، كلها مواقف تصنع الإنسان، وتُشعل شرارة النهضة.

١. في مدرسة الطاعة الكبرى

ما الذي يجعل العشر الأوائل من ذي الحجة أعظم أيام الدنيا؟
إنها ليست الأيام فحسب، بل المعاني التي تحتشد فيها: التوحيد، الطاعة، التضحية، والخضوع. إنها دورة مكثفة لإعادة التشكيل الداخلي، حيث لا يصعد أحد إلى عرفات حتى يكون قد عرَف الله قبله، ولا يُتم أحدٌ نسكه حتى يذبح غروره على منى، ويُفدي نفسه بالصبر والإخلاص. هنا تُختبر النيات وتُكسر الشهوات، وتُعاد صياغة الذات لتكون أهلاً لحمل الرسالة.

٢. إبراهيم.. القائد الذي لم ينهزم

عندما نبحث عن القائد الذي كتب أول دروس العظمة، لا نجد غير إبراهيم عليه السلام، شيخ القادة وأب المرسلين. في العشر تجتمع ملامح رحلته:
• هجر الوطن لأجل العقيدة.
• بناء الكعبة دون كلل.
• الذبح كأقصى امتحان للقيادة الإيمانية.
• التجرد، والبناء، والرؤية بعين الله.

لقد قاد أمة من لا شيء، وخلّد الله اسمه في كل نسك، فما من ركن من أركان الحج إلا وفيه ظل إبراهيم. أليس هو القائد الذي علّمنا أن التضحية أول الطريق؟

٣. من الذبيح إلى الأمة

حين سلّم الابن جسده للسكين، لم تكن تلك لحظة نهاية، بل بداية.
ففي تلك اللحظة، وُلد جيل يستطيع أن يُطيع بلا تردد، ويُؤمن بلا جدل، ويُضحّي بلا حساب، ويقود بلا رياء.
هذه ليست قصة قديمة، إنها وصية الزمان المتجدد: لن تنهض أمة إلا حين يذبح أبناؤها الأنا، ويُقدّمون قلوبهم على مذابح العطاء.

٤. موسمُ إعدادِ القادة

إن العشر من ذي الحجة ليست موسمًا للتعبد الفردي فحسب، بل ورشة عمل ربانية لإعداد النخبة من القادة.
فيها:
• تتجمع الأمة في عرفات على صعيد واحد: تساوٍ، ووعي، وقيادة موحدة لله.
• يُمارس الحجيج أعظم تنظيم في التاريخ: عشرات الملايين، لا يخطئون الطواف، ولا يتأخرون عن الوقوف.
• يُدرَّب الناس على الانضباط، والتجرد، والحركة الجماعية المنظمة.

كل ذلك يُعيد للأذهان أن أعظم القيادات هي تلك التي تتربى في حضن الطاعة

٥. القيادة الراشدة في زماننا

القيادة اليوم تحتاج إلى هذا النفس الإبراهيمي، وهذا الصدق العرفاتي، وهذا الذبح الرمزي للغرور والفردية.
نحتاج إلى قادة:
• يرون الناس بعين الرحمة لا التسلط.
• ويقودون بإلهام النبوة لا حسابات السوق.
• ويحلمون كما كان يحلم إبراهيم ببناء أمة من لا شيء.

كل عشر من ذي الحجة هي تدريب سنوي للصف الأول في الأمة. والموفقون هم من يقرؤون إشارات السماء، لا تقارير الأرض فقط.

٦. الرسائل السبعة للقادة

في هذه الأيام تتجلى سبع رسائل خالدة لكل من يطمح أن يكون قائدًا حقيقيًا:
1. التضحية قبل القيادة.
2. العطاء دون انتظار الجزاء.
3. التجرد من الذات لا من المسؤولية.
4. إحياء القيم لا قتلها باسم المنفعة.
5. الارتباط بالأصل (القرآن، السنة، سيرة الأنبياء).
6. القدرة على الحشد لا التفريق.
7. القيادة التي تبني لا تهدم، تُلهم لا تُملي

٧. حين تضيء الأحلام

الحج هو أعظم حلم تحقق بعد طول انتظار. تمامًا كما تحققت نبوءة إبراهيم في أن يرى البيت معمورًا.
كل قائد يحمل حلمًا، لكن لا يُضيئه إلا الإخلاص، ولا يحققه إلا الطاعة، ولا يثبّته إلا العزم. فحين تنطلق هذه الأيام، هي فرصة لتسأل كل قيادة نفسها: هل أنا في طريقي لتحقيق الحلم؟ أم أضيّع النور في الزحام؟

خاتمة: مدرسة لا تُقفل

العشر من ذي الحجة ليست مناسبة في التقويم، بل مدرسة سنوية لمن أراد أن يتعلم القيادة من جديد، ويُطهّر بوصلته، ويعود إلى الله بقلبٍ أقوى، وعقلٍ أنقى، وعزمٍ لا يُكسر.

هي موسم لبناء النفوس، وترتيب الرؤى، واستنهاض الأمة.
فطوبى لمن دخلها تائبًا، وخرج منها قائدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top