|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

في الخامس من ذي الحجة، بينما كانت نيروبي تتهيأ لصمت الغروب، ولأذان مغربٍ يُبارك الزمان، لم يكن أحدنا يعلم أن على مائدة ذلك اليوم، لم تُقدَّم أطباق طعام فحسب، بل سُطِّرت قصة… فيها من الفن ما يُبهر، ومن الحب ما يُسْكر، ومن الذاكرة ما لا ينسى.
كنا نظن أننا نمضي نحو إفطار بسيط، مما تبقى من نعيم الأمس، من فتات خيرات لم تأخذها الشهوة ولا السُفرة، كعادتنا في هذه الأيام التي نُشرب فيها من كأس الروح أكثر مما نأكل من طعام الجسد. لكن فجأة، ومن حيث لا نعلم، انقلبت المائدة إلى عيد… بل إلى مشهد مسرحيٍّ نادر، كتبته يدٌ تعرف ما تصنع، وترسم بالإتقان كما يرسم الخطاط العثماني على مخطوطة السلطان.
د مدحت بويحيى، أخونا الكبير، الحبيب الرصين، يأبى إلا أن يكون قائد اللحظة، وصاحب الفكرة التي لا تمشي على الأرض، بل تُحلِّق فوقها… وكأنه سمع قول سقراط: “السر في التميز هو أن تُؤدي العمل العادي بطريقة غير عادية”… فاستدعى من وراء الأفق لمسة الإبداع الشنواني، وسلّمها بثقةٍ مطلقة لرفيقة دربه: د أم يحيى، فكان ما كان من مجدٍ مطبخيّ، لا تقوى كتب الطهو ولا أعمدة الصحافة أن تصفه وصفًا يُنصفه. من تحت الغطاء، خرجت صينية الثريد، في لحظة صامتة إلا من العطر الذي سبق البصر.
عليها من اللحم ما يكفي ليُقال: “اليوم عيد”. وليس أي عيد، بل عيد فيه المنبار مُحشوّ بحكمة الأمهات، دائريّ في هيئته كأنما يرمز إلى دورة الزمن وعودته الأبدية… وجانبه طبق اللحم المقلي، يتوسد الحافة بثقة العظماء، مزين ببعض من الحنين، ومطرز بذكرى لحوم الأعياد القديمة.
ومن الزاوية خرج طبق الكرنب المحشو، مرتبًا بأناقة تُحرج كُتّاب البروتوكول، يضحك لنا من بين ألوانه الخضراء والصفراء، وكأنه يقول: “أنا ابن الريف، ولكني اليوم ألبس بدلة المدينة”. ولم تكتفِ المائدة بذلك، بل جلست صلصة الثريد في قلب المشهد، حمراء كالشوق، طازجة كالحب الأول، وقد أُعدت بخلطة لا يعرفها إلا من عاشر المطبخ على مدى العمر لا لمجرد الطهو، بل لخلق الذكريات.
وبينما كانت هذه اللوحة تكتمل، دخل طارق وهاجر المشهد بهدوءٍ لا يخلو من دهشة، كمن دخل معرضًا فنيًا ثم أدرك أنه جزء من اللوحة… استأذن طارق بنبرة خفيفة: “هل نضيف شيئًا خفيفًا؟” ولم تكن الإضافة عادية، بل كانت لمسة طيف:
عصير برتقال طبيعي، فيه من الحموضة ما يُوقظ الحواس، ومن البرودة ما يُطفئ الظمأ.
طبق البطيخ، مقطّع كما يجب أن يُقطع، يشبه بساطًا ممدودًا في حديقة صيفية. طبق المانجو، أصفر كالشمس، ناضج كنهاية سعيدة، كأننا نختم المأدبة بقُبلة على جبين اليوم.
هل كانت مائدة؟ لا… بل كانت مشهداً من مشاهد السينما الواقعية، أو لوحة زيتية لحياةٍ أرادت أن تعلن: نحن هنا… نحن نعيش، لا نأكل فقط. إن كان أنطوان دو سانت حيًا، لقال كما قال في “الأمير الصغير”: “ما هو أساسي لا يُرى بالعين، إنما يُرى بالقلب”…
وهذا ما فعلته المائدة، لم تطعم بطوننا فقط، بل أطعمَت أرواحنا، وشحذت حواسّنا، وأعادت تعريف المفهوم ذاته: ما معنى أن تفطر؟ ما معنى أن تُكرم؟ ما معنى أن تبذل جهدًا دون طلب، وعطاءً دون انتظار؟
اليد التي طبخت لم تكن تطهو فحسب، بل كانت تكتب فصلاً من فصول الذوق والحب، وكانت تُترجم مقولة الشافعي: “الكرماء إذا قدروا غفروا، وإذا وعدوا وفوا، وإذا أطعموا أشبعوا”. وفي زاوية منسية من ذلك اليوم، جلس الصمت، يتأمل ما حدث، ويسجل في دفتر الأيام:
في نيروبي، يوم الخامس من ذي الحجة 1446، اجتمعت القلوب قبل أن تجتمع الأطباق، وانسكب العيد في وقتٍ لم يُعلن فيه الهلال، لأن القلوب حين تتّسق… تخلق مواسمها.
كل الشكر لا يكفي، وكل الدعاء لا يفي… لكننا نرفع الأكفّ في صمتٍ يشبه العرفان، ونقول من القلب:
اللهم بارك في أم يحيى، وأكرمها كما أكرمتنا، واحفظ أبا يحيى، وارضَ عنهم، وزِدهم من فضلك.
اللهم اجعل البيوت التي تُكرم ضيوفها مأوى ملائكتك، وسُقيا رحمتك، ومحلّ بركاتك. وسلامٌ على الذين يُطعِمون الطعام حبًا، لا عادة… على الذين يصنعون من البسيط ملوكية، ومن الطعام ذاكرة، ومن اللحظة عيدًا. وسلامٌ علينا حين نتذكّر، وحين نشتاق، وحين نكتب.