إفطار عالمي بمنظمة الأمل العالمية – الإثنين 21 يوليو 2025

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

الساعات كانت تمضي ببطء وهدوء، كأنها تتهيّأ لمشهدٍ لن يتكرر. القاعة تتهيأ لاستراحةٍ، لكنها في حقيقتها ليست استراحة، بل لحظة احتفاءٍ إنسانيٍّ نقي، تخطّت تعريف المناسبات، وتجاوزت بروتوكولات المآدب. إنه إفطار عالميّ… لا يشبه شيئًا مما مضى.

الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف صباحًا، لحظة غير معتادة للتوقف، لكنها هذه المرة كانت أشبه بما يشبه النداء الخفي: “قفوا عن الكلام، فهناك اجتماعٌ آخر… لكن هذه المرة على طاولة لا تُقام إلا في الجنة.” امتدت المائدة في مقر منظمة “الأمل العالمية” وكأنها صفحات من سفرٍ طيب، تجمعت فيها الأيادي من كل صوب، وتلاقت فيها الثقافات، واختلطت فيها الروائح بالذكريات، وابتسمت الأرواح قبل أن تمسّ الطعام.

الطبق الأول؟ ليس طبقًا فحسب، بل ميثاق من البساطة والذوق والحنين: بيضٌ مسلوق دافئ، مطلي بالسمن كأنه يستحمّ في ضوء الشمس، تحيطه شرائح من الطماطم والخيار، والفلفل الأخضر وقد تم ترتيبه بهندسةٍ تدل على يدٍ تعرف الجمال وتُحسن الضيافة. وإلى جانبه، خبز تركي أسمر… خبزٌ فيه عبق الأفران العتيقة، تشعر أن كل قطعة خبز خرجت من بيت له دعاء قديم. الزيتون التركي الأسمر… ليس مكوّنًا بل ذاكرة، يحمل مرارة الحياة بحنان، ويطوي فيها نكهة الأرض التي تنبت وتُعطي دون أن تطلب المقابل.أما الجبن الأبيض والجبن الكشار، فكانا يشبهان معادلة توازن دقيقة بين الملوحة والحنين، ورافقهما زيت الزيتون والزعتر كأنهما صديقان عتيقان لا يفترقان.

جرجيرٌ أخضر، كأنه قُطف الآن، خرج من الأرض ولم يمر على الأسواق، بل جاء مباشرةً ليحكي عن بركة الزرع وصدق الطبيعة. وقشدةٌ بيضاء، تجاور عسلًا أبيض كأنهما من وصايا السماء. ثم… تلك المفاجأة الحنونة، القادمة من المطبخ المصري العتيق: “المِشّ” – تلك الوجبة القروية الغنية بالحب والبهارات والزيتون والطماطم، ومعها الفطير المشلتت… لا فطير في العالم يشبهه، هشاشةٌ تدغدغ الذاكرة، ودسامةٌ تستفز الطفولة. من صناعة الغالية أم عبدالله، كأنها أرسلت شيئًا من يدها وشيئًا من قلبها.

وبينما كان الشاي التركي يغلي على مهله، كأنه يقول: “اصبروا قليلاً… فالختام لي!” كانت القلوب كلها في حضورٍ كامل، تشرب قبل أن تشرب، وتفرح قبل أن تذوق. لكن، كانت هناك سيمفونية أخرى تُعزف في الخلفية، ليست بالأوتار ولا بالمقامات، بل بالحوار… في إحدى الزوايا، جلس طبيبٌ يتحدث عن رحلته في غرف العمليات، يقاطعه مهندسٌ شاب، يشرح كيف يمكن للخطأ في تصميم الجسر أن يُسقط مدينة، ويضيف مهندس كيمياء بنكتة علمية لا يضحك عليها إلا من عاش بين المعادلات، ثم تشرق الضحكات حين يتدخل عالِم رياضيات قائلاً: “كلنا نعمل ضمن معادلة واحدة، لكن الحياة أكثر تعقيدًا من أي معادلة.” كأن هذا الإفطار أراد أن يقول: لكل علمٍ مكانه، ولكل تخصصٍ احترامه، ولولا هذا التنوع، لانكسر ميزان الكون. ما بين الكلمات، نشأت لحظة اعتزاز عميقة، ليس بالذات فقط، بل بالآخر المختلف… فالطبيب وجد في المهندس ما يُدهشه، والكيميائي أدرك أنه يحتاج للحسابات، والرياضي اكتشف أن نظرياته لن تعالج المرضى… كل واحد منهم كان قطعةً في لوحةٍ أبدعها الله، لكنها لن تكتمل دون الجميع.

الطاولة؟ لم تكن تركية فقط، بل كانت لوحةً من مناطق متعددة: من الوجه البحري المصري جاء الفطير المشلتت و نكهة الجبنة القديمة بالطماطم المصنوعة بتأنٍّ، ومن الإسكندرية عبق البحر في الجبن والزيتون، ومن تركيا دفء الخبز الطابون، ومن فلسطين زعتر الجبال وصبر الزيتون.

حتى الحكايات كانت من مذاهب شتى، لكنها تجمعت في صحنٍ واحد، وصمتٍ واحد… ذلك الصمت الذي يسبق لحظة الرضا الكامل. في تلك اللحظة… شعرت أن حاتم الطائي إن عاش بيننا اليوم، لكان من خدام هذه المائدة، يوزع الصحون بنفسه وهو يردد: “ما أكرم الطعام إن سبقه قلبٌ كريم.” ولربما وقف عبدالمطلب بن هاشم، مهيبًا بجماله، وقال: “ما جُبل الكرم إلا على مثل هذه السُّنة.” إنها ليست وليمة فحسب، بل حالة وجدانية، دعاءٌ في شكل طعام، وشكرٌ في شكل نَظَرات، وتكافلٌ في صورة طبق. ومع آخر رشفة شاي تركي، نظرت إلى الجمع المبارك وتمنيت من قلبي: “يا رب، لا تجعلنا نشبع، بل أبقِنا جائعين دائمًا… للجَمال، للمعرفة، للخير، ولأمثال هذه اللقاءات.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top