|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

ليست المسافة بين المدينة وإسطنبول ما عبرته قوافل الصحابة، بل المسافة بين نبوّة تُستقبل في بيتٍ صغير، ووعدٍ يُدفن على أبواب الإمبراطوريات
في مساءٍ إسطنبوليٍّ ليس متأخرًا، انطلقت رحلتنا الصغيرة بحجمها، العظيمة بمعناها، نحو مقام لا يشبه سواه. كنا ثلاثة: أنا، ورفيقا قلبٍ وروح، عبد الرحمن عادل، وم. يحيى عطوة. لم يكن فينا من يتحدث كثيرًا، فقد كان في النية ما يغني عن اللسان: نحن على موعد مع أحد أعظم من حملوا النور، أبو أيوب الأنصاري… الصحابي الذي لم ينطفئ شوقه يومًا، فمات وقلبه مشدود إلى ما وعد به رسول الله ﷺ.
المكان الذي دفن فيه أبو أيوب لم يختره هو، بل اختاره إيمانه… دفن حيث لم تُفتح المدينة بعد، وكأن جسده يريد أن يقول:” ادفنوني على بابها، فإن لم أفتحها حيًّا، فربما تفتحها أجيال تمرُّ من فوقي، وتُكمل الرسالة.” وصلنا إلى المسجد، وتقدّمنا صامتين. كل شيء كان ساكنًا بشكل غريب: الهواء، الضوء، أصوات المارّة، حتى قلوبنا. كأن إسطنبول كلها انحنت احترامًا، أو كأن الله أراد لنا أن ندخل مقامًا لا كمزار، بل كفصلٍ من فصول الرسالة. أول ما لفت نظري في المسجد، أنه لا يعلن مجده. ليس في زخرفته شيء من تبجّح، ولا في هندسته تكلف. هو مسجد يقف مثل صاحبه… قويٌّ في صمته، عظيمٌ في تواضعه، خالدٌ في بساطته.
جلسنا في الزاوية، نرقب الزائرين. كان بينهم من يبكي، ومن يقرأ، ومن يحدّق في الضريح طويلاً دون أن يرمش. ثم لفتني طفل صغير، أمسك يد أبيه وقال: “بابا، ليه النبي راح عنده وما راح عند أحد تاني؟” فأجابه الأب: “لأنه استحق.” وأنا من بعيد قلت في سري: “بل لأنه كان بيتًا قبل أن يكون بشرًا. بيتًا يسع الوحي، وقلبًا يسع العالم.”
أبو أيوب لم يكن مجرد رجل فتح داره لرسول الله، بل فتح داره لميلاد أمة. كان بيته المحطة الأولى للرسالة في المدينة. لكنه ما اكتفى بشرف الاستقبال، بل ظل يحمل عبء الصحبة حتى الرمق الأخير. حتى وهو شيخ مسن، أبى أن يتخلف عن جيشٍ خرج لفتح القسطنطينية، لأنه آمن بحديث: ” لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش.” لم يُفتح الباب له، لكنه آمن أن الباب سيفتح، وأن روحه ستكون على العتبة، تنتظر من يفتحه ليكتمل الوعد.
هنا، عند قبره، شعرت أني لست وحدي… ورأيت شيئًا لا يُرى بالعين المجردة: كأن كل شهداء الأمة كانوا حوله، يصمتون احترامًا، ويقفون في طابور العزم. كأن هذا المكان ليس ضريحًا، بل نقطة التقاء للقلوب التي لم تساوم، وللأرواح التي ذابت في الحق. جلست طويلاً، أتأمل النقوش، وأسترجع السير… ثم سألت نفسي سؤالاً أزعجني: ” لو كنت مكانه، في الثمانين من عمرك… هل كنت ستصعد على جواد وتطلب الشهادة في بلاد غريبة؟” وسكتُّ، لأن الإجابة لا تحتاج صوتًا، بل مراجعة.
خرجنا من المسجد، وقد تبدّلنا. صرنا أبطأ في خطواتنا، وأكثر وداعةً في حديثنا، كأننا خائفون من أن نكسر شيئًا في صدورنا.
وكأن الصوت الذي لم نسمعه في الضريح، قد رافقنا في الطريق: ” يا من تطلبون التغيير… هل أنتم مستعدون أن تُدفَنوا غرباء كما دُفنت؟ أم أن أقصى ما تحلمون به هو أن تعيشوا مرتاحين وتموتوا عاديين؟”
وكان ختام المساء عشاء في مطعم “المعلم السوري”، لكن الطعام لم يكن كما هو، ولا الحديث كما كان. كأن أرواحنا لم تعد معنا، أو كأنها بقيت هناك، تودّع رجلاً لم يودّع الدنيا، بل ودّعنا نحن، وقال لنا: ” أنا هنا، أنتظركم عند عتبة الحلم، لا تُطيلوا الغياب.”
وختامًا: هذه الزيارة لم تكن برنامجًا في جدول، ولا محطة في رحلة… كانت وقوفًا أمام مرآة الزمن. رأيت فيها رجلاً صنع من قلبه منارة، ومن جسده جسرًا، ومن قبره بوابة للأمل. رأيت أن القبور لا تكون نهاية لأصحاب الرسالات، بل بداية لحكايات لا تنتهي. وأدركت أن أمةً يدفن رجالها على حدود الوعود، لن تموت،
وأن من زار أبا أيوب، ولم يتغير شيء في قلبه… لم يزره.