|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

لم يكن في نيّتي أن أكتب، بل أن أُصغي. أن أُصغي لخطى من سبقوني وهم يتهادون بخفة على رخام المسجد، ولسكونٍ أزرق يُقيم في الأركان، ولسيمفونية غير مرئية تعزفها القباب والمآذن في تواقيع لا تُسجّلها النوتات، بل الأرواح.
في مساء استثنائي من أيام الرحلة، وصلتُ إلى باحة مسجد السلطان أحمد، وقد تلبستني رهبة لم أختبر مثلها من قبل. الشمس لم تكن تشعّ، بل تتضرّع فوق القباب المزجّجة بلون البحر، وكأن السماء تميل على كتف المسجد لتناجيه. ومن أول النظرة، لم أرَ مبنىً، بل رؤيا. قِبابٌ تتتابع في نسقٍ خاشع، كأنها حبات مسبحة يسبّح بها الزمان، ستّ مآذن شامخات كأنهن أوتاد معلّقة في قلب التاريخ، وحجارةٌ صامتة تحمل لغةً لم تكتبها يد البشر. دخلتُ. كأنما القلب يخلع نعليه قبل القدم، وكأن الخطو يستأذن في حضرة الجلال. امتدت أمامي صالة الصلاة، وما أن رفعت بصري حتى شعرت أنني رفعت روحي. ذلك السقف الأزرق الذي اشتهر به المسجد لم يكن مجرد لون، بل حالة.
الزخارف والنقوش -بلا مبالغة- كانت تشبه قراءةً صامتة لسورة “الرحمن”. “فبأيِّ آلاءِ ربكما تكذبان؟”..كأن كل بلاطة، كل قطعة خزفٍ عثماني، كل نسقٍ هندسيّ، كانت تهمس بها. همست لنفسي: ما أعظم هذا الجمال حين يسجد. فالجمال حين يعلو بلا خضوع، يصبح غرورًا. أما هنا، في المسجد الأزرق، فكل شيء يبدو متواضعًا في عزته، شامخًا في خضوعه. قبابه لا تعانق السماء إلا بعد أن سجَدت على الأرض.
توقفتُ عند المحراب، بُني بدقة تخلع قلبك لا بصرك، تحيط به آيات محفورة لا تزاحم المكان، بل تضيئه من الداخل. إلى يمينه المنبر، لا يبدو مكانًا للخُطب فقط، بل لمنبر ضمير دولةٍ كانت ترفع راية التوحيد والعدل والفن معًا. جلستُ في أحد الصفوف، وكنتُ وحدي. لكنني لم أشعر بالوحدة، بل بحضور عارم.. حضور كل من مرّ من هنا من سلاطين، وعلماء، وزهّاد، وسائحين، وأحباب، ومشتاقين. استحضرتُ بكاء السلطان أحمد الأول، الشاب الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة حين اعتلى العرش، فبنى هذا المسجد لا ليرفع مجده، بل ليسترضي به وجه ربه. بكى وهو يضع حجر الأساس، وكأنه يدرك أن هذه السُنة التي يُحييها ستظل حية ما دام هناك مصلٍّ يسجد في هذا المكان.
استدعتني الذاكرة لقول الإمام الغزالي: “إذا أردتَ أن تعرف منزلة قلبك، فانظر إلى ما يهيج فيه عند ذكر الله.” وهنا، لم يكن الذكر لفظًا، بل بناءً يذكر الله بهيئته، وزخرفته، وامتداده في الزمان. يقول نيتشه: “العمارة موسيقى متجمدة.” وأقول هنا: “مسجد السلطان أحمد موسيقى خاشعة، ترتّلها الحجارة في سجودٍ دائم.” تذكّرتُ جلال الدين الرومي، حين قال: “تعالَ، ولو كنت كافرًا أو مجوسيًا، هذا المكان ليس دارَ يأس.” فكأن المسجد الأزرق يرددها دون أن يتكلم.. يفتح أبوابه للجميع، مؤمنين وباحثين، ساكنين وسائحين، حتى مَن لم يعرف الله، يعود من هنا حائرًا مأخوذًا بسحر لا تفسّره الطبيعة، بل الروح. تساءلتُ في داخلي: هل نحن من نزور المسجد؟ أم أن المسجد هو من يزورنا؟ لعلّه يأتي إلى قلوبنا خفيفًا متينًا، يودع فيها رسالةً خفيّة: أن الإيمان لا يُفرض، بل يُقنع، لا يُصرخ به، بل يُجسَّد، كما جسّده العثمانيون وهم يبنون مكانًا تقول فيه الحجارة “الله أكبر”. ليس هو الأضخم، ولا الأقدم، لكنه أحد الأصدق. صِدقه في اتّساقه، في حميميته، في زرقةٍ لا تُثقل العين، بل تُبهجها. في السقف الذي لا يعلو ليتباهى، بل ليذكّرك أن هناك ما هو أعلى، وما هو أحق بالسجود. خرجت من المسجد، ولم أعد كما دخلت. بقي شيء من الزرقة في عينيّ، ومن الخشوع في قلبي، ومن السكينة في صوتي. إنه مسجد لا تكتفي بزيارته.. بل يسكنك.
وختامًا: في زمنٍ غدا فيه الجمال يُنتج لأجل الرفاه، والعمارة تُبنى لأجل الرفعة، يظل مسجد السلطان أحمد شاهدًا على زمنٍ كان فيه الجمال طريقًا إلى الله، وكانت العمارة سجدة، والمآذن دعوة، والنقوش أذكارًا مكتوبة بخزف. فيا زائر إسطنبول، إن فاتك السوق أو القصر أو المتحف، فلا يفُتك هذا المقام.. فهنا، في الزرقة الخاشعة، قد تجد قلبك الذي نسيته ذات ضجيج