صناعة القائد… بين الفطرة والاكتساب

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في صباح ضبابي من شتاء إحدى المدن الآسيوية الكبرى، جلس قائد المؤسسة الخيرية الرائدة عند نافذة مكتبه الزجاجية في الطابق الأرضي، ينظر بتأمل إلى الشارع المبلل بالمطر، حيث تتفتح قطرات الماء ببطء كزهرة آسيوية تحمل الصبر والجمال لم يكن صباحًا عاديًا، كان يتذكر رحلته الطويلة من متطوع شاب يحمل الصناديق في المستودعات، إلى قيادة مؤسسة إنسانية تُغيّر حياة الآلاف. منذ بداياته، كانت الفطرة القيادية تلمع في عينيه، لم يكتفِ أبدًا بأداء ما يُطلب منه، بل كان دائم السؤال: “لماذا نفعل هذا؟ وكيف يمكن أن نفعله أفضل؟” لكن الفطرة وحدها لم تكن كافية، فالسنوات التي تلت كانت مدرسة قاسية علّمته كيف يبني فرق العمل متعددة الثقافات، وكيف يقرأ الأزمات قبل وقوعها، وكيف يقود تحت ضغط التمويل الشحيح والكوارث المفاجئة.

أكثر لحظاته رسوخًا كانت أثناء فيضان عظيم اجتاح المنطقة، الجسور انهارت، الطرق قُطعت، والمستودعات غمرها الماء. يومها، لم يرفع صوته ولم يفرض سلطته، بل جمع فريقه في حلقة صغيرة تحت المطر، وقال بصوت ثابت: “اليوم، نحن الأمل الأخير لهؤلاء الناس.” بهذه الكلمات، أشعل قلوب فريقه. خلال يومين أعادوا تشغيل مركز الإغاثة، ووصلت المساعدات إلى القرى المحاصرة. تلك اللحظة صنعت إرثًا قياديًا، فقد فهم الجميع أن القيادة ليست أوامر ولا ألقاب، بل إلهام ومسؤولية ورسالة. هذه القصة تختصر جوهر القيادة: ومضة فطرية تتحول إلى شعلة مكتسبة عبر التجربة، والصبر، والتعلم المستمر. ومن هنا تبدأ رحلة صناعة القائد بين الفطرة والاكتساب.

بناء القائد من الداخل

القائد يبدأ من ذاته، فالرؤية هي بوصلة الطريق، والهدف السامي هو وقود المسير. كان نابليون يقول: “القائد هو تاجر أمل.” أي أنه أول من يزرع الرجاء في قلوب فريقه قبل أن يطلب منهم السير خلفه. والثقة بالنفس هنا ليست غرورًا، بل يقين متدرج يولد من المعرفة والتجربة. وقد لخّص بيتر دراكر ذلك بقوله: “القائد الفعّال لا يسأل: ماذا أريد أن أكون؟ بل يسأل: ماذا يجب أن أفعل؟”

العقلية الاستراتيجية

القيادة ليست تحريك الأقدام فقط، بل رؤية الصورة الكبرى وربط الماضي بالحاضر واستشراف المستقبل. صن تزو، أوجز ذلك بقوله: “القائد العظيم يرى ما لا يراه الآخرون ويخطط وفقًا لذلك.” القائد الحق يقرأ الأحداث والبيانات والبشر معًا، فلا يتحرك بردود الأفعال، بل يرسم الفعل قبل أن يولد.

 التأثير والإلهام

القائد ليس من يُخضع الآخرين بسلطته، بل من يجعلهم يريدون ما يريد. قال أيزنهاور: “القيادة هي فن جعل شخص آخر يقوم بما تريد لأنه يريد ذلك.” وهنا يظهر فن التواصل الإنساني العميق: الإنصات الفعّال، الإقناع، مخاطبة العقل والقلب معًا. إنها مهارة تجعل الفريق يتحول من منفّذ إلى شريك في الرسالة.

التجربة العملية

القاعات المغلقة لا تصنع القائد، الميدان وحده يفعل. ونستون تشرشل لخّص هذه الحقيقة بقوله: “النجاح هو الانتقال من فشل إلى فشل دون فقدان الحماس.” المحن والأزمات تصقل المهارات وتختبر المعدن، وتعلّم القائد كيف يتخذ قرارات حاسمة تحت الضغط، ويواصل السير رغم العقبات.

القيم والرسالة الأخلاقية

القيادة بلا قيم تتحول إلى سلطة عمياء. المهاتما غاندي قال: “كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم.” التاريخ لم يخلّد القادة لأجل القوة وحدها، بل لأجل ما حملوه من عدالة ونزاهة ورحمة. القائد الذي يحفظ قيمه في أحلك الظروف هو من يصنع إرثًا قياديًا يُتّبع باحترام.

رحلة صناعة القائد

            1.التأسيس الداخلي

            •وضوح الرؤية والرسالة (ابدأ دائمًا بـ “لماذا؟” كما يقول سيمون سينك).

            •بناء القيم: المسؤولية، النزاهة، العدالة.

            •تعزيز الثقة بالنفس عبر الخبرة والتجارب الميدانية.

            2.بناء القدرات

            •التفكير النقدي، والتحليلي، لرؤية ما وراء الأحداث.

            •إدارة الأزمات والتخطيط بعيد المدى.

            3.تطوير المهارات

            •فن الخطابة والإقناع، حيث يجتمع المنطق والعاطفة والمصداقية.

            •بناء شبكة علاقات قائمة على الثقة والتحالفات الإيجابية.

            4.التجربة والتقييم

            •تنفيذ مشاريع حقيقية، واختبار المهارات في الميدان.

            •الاستفادة من التوجيه والإرشاد.

            5.الإعداد للقيادة

            •قيادة مبادرات حاسمة تُحدث فرقًا ملموسًا.

            •إلهام الأجيال القادمة وصناعة قادة جدد.

أثر القائد الحق

القائد العظيم ليس من يترك مبنى يحمل اسمه، بل من يترك أثرًا حيًا في قلوب الناس ومسار الحياة. هو من يبدأ برؤية في قلبه، ثم يزرع الأمل في فريقه، ثم يصنع إرثًا يبقى بعده منارًا للآخرين. ولعل ما قاله الشعراوي يلخص الرسالة: “إذا لم تزد شيئًا على الدنيا، فأنت زائد عليها.” هكذا يُصنع القائد: بالفطرة التي تلمع كبذرة، وبالاكتساب الذي يصقلها حتى تصبح شجرة وارفة يستظل بها من حوله، ويهتدي بها من يأتي بعده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top