|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

لم تكن الكلمات التي كتبها ذاك القائد سوى قطرات من عمرٍ وافرٍ بالتجربة، تُساقط من قلبٍ صلبٍ رقّهُ الحنين. كانت كلماته توحي بالوجع، لكنها لم تكن شكوى. كانت أشبه ما تكون بمذكّرات قائد خَبِر الناس، وجالس الرجال، وسافر في مواسم الضوء والخذلان.
قال: “ما كان لغدر الصحب يدميني… وما كان جهل السبق يؤذيني” هنا لا يتكلم عن خصومة، بل عن لحظة خذلان لا تُكسر القائد، بل تصقله. ففي مدرسة القيادة الرشيدة، لا يُبنى القائد من التبجيل، بل من الألم. لا يرتقي بالمحاباة، بل بالفرز. ومن لا يُجرّح، لا يُطهّر. ثم يقول: “فحفظ الله دوما كان يؤويني… وحب الرجال الكرام يكفيني” هذه ليست رومانسية عابرة، بل عقيدة قائدٍ أدرك أن القيادة ليست ثقة في الأشخاص، بل توكلٌ على ربّ الأشخاص، وأن الكرام من الرجال هم ظلّ الله في الأرض، الذين إن غدر غيرهم، كانوا هم الوفاء الباقي. ولأنه أدرك أن للزمن حساباته، قال بحكمة العمر:
“مرّ عمرٌ وربما فرص لا تواتيني… قول عقل تجيبه نفسٌ تواسيني” هذا هو صوت القيادة الراشدة حين تخلو إلى نفسها: لا تتحسر على الفرص، بل تحاسب النفس، وتواسيها، وتمضي بحكمة العارف أن “ما قدّر الله كان، وما لم يكن، فربما كان شرًّا أُبعد.”
كما في تجربته، فقد رجالاً كانوا كالجبال. لكنه لم يجعل الحزن مُخيفًا. بل قالها في مهابة: “فقد رجالٍ كانوا نعم الميامين… أرض ربي ظلّها رحب الميادين” إنها رؤية القائد الحقيقي: لا يتحسّر على من غادروا، بل يفتح للمفقودين ساحةً أوسع من الذكرى، وأكرم من الرثاء… يفتح لهم أرضًا من الدعاء والعمل والوفاء.
واختار القائد أن يسكب خطراته في “محرم”، لا عبثًا… بل لأنه زمن الشهداء، زمن الطهر، زمن كربلاء الفداء، حيث تُختبر القيادة لا بالخُطب، بل بالمواقف. “أسكب خطراتٍ علّها تُسامرني… في محرّمٍ أجلّ وأطيب الأحايين” هنا لا يكتب ليُنقش، بل ليُطهّر. لا ليتحدث، بل ليتطهّر. إنها لغة القادة حين تصفو أرواحهم… فيصبح الألمُ وضوءًا، والكتابةُ عبادة. أو يختم بحكمة من نضج في محراب البلاء، فقال: “تدافعني كلمات دوما تناديني… ليس كل البوح ثرثرة تزكيني” فليس كل من تحدّث قاد، وليس كل من سكت كان حكيمًا… لكنه هنا يعلّمنا أن البوح حين يُصفّى من الرياء، يصبح زكاة النفس. وحين يكون من قائدٍ خَبِر الطريق، يصبح نبوءةً تُروى.
ففي كل سطر من خواطر هذا القائد، يتضح أن القيادة الراشدة ليست صخبًا ولا سلطة، بل بصيرة، وصبر، وفقد لا يُتلف القلب، وحنين لا يُشغل العقل. إنها مدرسة من يمضي للغد… لا متكئًا على كرامات الماضي، بل صامدًا بما تبقّى من الرجال، ومن الذكرى، ومن الله. فهنيئًا لقائدٍ لم تفسده الأيام، ولم يغره المديح، ولم تُنكّس رايته الغدرات… لأنه ببساطة: قائدٌ عرف أن الرجاء في الله لا يخيب، وأن الرجال الكرام لا يُصنعون… بل يُهدون.