|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

لم يكن اليوم عاديًا. في بيتٍ عربيٍ بسيط، تعالى صوت الزغاريد، وارتفعت التهاني من كل زاوية، وعلت الابتسامات على الوجوه.
الابن البكر… من أوائل الثانوية العامة. درجات تلامس الكمال، وشهادة من أوثق الجهات، وصورة على “الحالة” تصدّرت الأحاديث.
لكن بعد أن انطفأت الاحتفالات، وسكت الضجيج… دخل الابن إلى غرفته، وأغلق الباب، وجلس وحيدًا، لا يعرف إلى أين يتجه.
كانت هذه اللحظة، أول مفترق حقيقي في حياته. الكل هنّأه على “الشطر الأول” من الإنجاز… لكن لا أحد سأله، كيف ستُكمِل السطر؟
الشطر الأول… وسطر الحياة
نحن نُجيد الاحتفاء بالنتائج، نُصفّق لها، نُبالغ في نشرها، نُبارك، ونُهلل… ثم نرحل. أما الذي ننساه، فهو أن التفوق الدراسي، مهما بلغ، لا يعني بالضرورة نجاحًا في الحياة. بل إن كثيرًا ممن تصدّروا قوائم التفوق، تعثّروا لاحقًا في أبسط محطات الحياة: في اختيار التخصص، في مقاومة الإحباط، في مهارات التواصل، في فهم أنفسهم، في تمييز ما يُريدونه حقًا مما يريده الناس لهم. هنا تظهر الفجوة الخطيرة: نحن نحتفي بالمتفوق على ورق النتائج… ولا نبني المتفوق في واقع الحياة.
عندما نُفرط في تعليمهم… ونُهمِل تربيتهم
كم من أسرة تسهر وتدفع وتُكرّس كل طاقتها حتى يحصل ابنها على أعلى الدرجات، لكنها لا تزرع فيه الصبر، ولا تكوّن لديه جلد الفشل، ولا تعلّمه كيف يُدير ذاته، أو يتحمل مسؤولية، أو يتصرف تحت ضغط؟
كم من طالب حاز الدرجة الكاملة، لكنه إذا تأخر موعد الحافلة بكى، وإذا تغيّرت خطته ارتبك، وإذا خالفه أستاذ تحطم؟ لقد أصبحنا مجتمعات تُقدّم الشهادات… ولا تُنتج الشخصيات.
النجاح ليس في الشهادة… بل في مشروع الإنسان
ما قيمة أن يُكتب اسمك في قائمة أوائل الجمهورية، ثم لا تُكمل دربك كما بدأت؟ ما الفائدة من تفوق لا يُصاحبه بوصلة؟ أو تميّز لا يقترن برؤية؟ إن الشهادة ليست نهاية، بل بداية، والنجاح الحقيقي ليس اسمًا في ورقة، بل مشروعًا متكاملاً لبناء الإنسان.
هنا تلمع تلك العبارة التي يجب أن تُصبح شعارًا تربويًا: “نجحتَ في الشطر… فهل ستُكمِل السطر؟”
نجحت في جمع العلامات، فهل ستجمع بين الحكمة والمسؤولية؟
نجحت في نيل القبول الجامعي، فهل ستحصل على قبول داخلي مع ذاتك؟ نجحت في إرضاء من حولك، فهل أعددت نفسك لما ينتظر من حولك؟
مشروع ما بعد النتيجة
هنا تولد المبادرة… لا كمقال، بل كحركة فكرية وتربوية تقود الوعي المجتمعي لإعادة النظر في معنى التفوق.
اسم المبادرة: “أكمل السطر”
(أو: “مشروع ما بعد النتيجة”)
رسالتها: تحويل لحظة التفوق الأكاديمي إلى نقطة انطلاق لمشروع حياة متكامل.
أهدافها:
1- مرافقة المتفوقين بعد إعلان النتائج لتوجيههم في اتخاذ قرارات ناضجة.
2- بناء هوية المتفوق: من هو؟ ما الذي يُميزه؟ ما رؤيته في الحياة؟
3-تدريبهم على مهارات الحياة الأساسية: التوازن النفسي، إدارة الوقت، العمل الجماعي، الصبر، التفكير النقدي.
4- إشراك الأسرة في فهم أدوارها ما بعد التفوق، لا قبله فقط.
5-تسليط الضوء على “الناجحين الحقيقيين” ممن لم يكونوا من الأوائل، لكنهم صنعوا فرقًا.
الجهات المعنية:
1-الجامعات والمؤسسات الأكاديمية
2-وزارات التربية والتعليم
3-الجمعيات التربوية
4-صُنّاع المحتوى الهادف
5-وسائل الإعلام المؤثرة
المفقود في نتائج الثانوية
المدارس تقيس الدرجات، لكنها لا تقيس الصلابة النفسية. النتائج تكشف من حاز الدرجة النهائية في الرياضيات، لكنها لا تكشف من فشل في هندسة ذاته. ولا توجد ورقة امتحان تسأل الطالب:
1-متى آخر مرة أصلحت بين اثنين؟
2- كم مرة قاومت الانهيار ولم تنهَر؟
3- هل تعرف نقاط ضعفك؟
4- من أنت في عيون الله، لا عيون المُصحِّح؟
لماذا تخبو أنوار كثير من المتفوقين؟
لأنهم يُربّون على فكرة “النتيجة” لا “الرسالة”. يُحتفل بهم مرة واحدة، ثم يُتركون لمفترق الطرق، في عالم لا يُجيد الانتظار. بعضهم يُجبر على دراسة ما لا يحب، وبعضهم يُطارد بالمقارنات والآمال الثقيلة،
وبعضهم يضيع لأنه لم يجد من يُرشده بعد أن فرغت ساحة التصفيق
لنجعل التفوق بداية… لا تتويجًا
ما أجمل أن نحتفي بأبنائنا، لكن الأجمل أن نرافقهم في الطريق،
أن نقول لهم: نجاحكم فرحتنا… ولكنّنا ننتظر منكم أكثر من درجات، ننتظر إنسانًا نافعًا، مؤمنًا، شجاعًا، حرًّا، يعرف نفسه، ويصنع أثره.
فقد نجحتَ في الشطر…
وبقي أن تُكمل السطر.
والسطر الذي يُكمل بعد النتيجة… هو الذي تُكتب فيه قصة الإنسان، لا مجرد المتفوق ليست الحياة امتحانًا من ورق… بل امتحان من عُمق. والنجاح الحقيقي أن يكتب كل إنسان سطره الخاص، بخط اليد لا بخط المصحّح.
وهنا لا نختم بكلمات البشر وحدها، بل برفع البصر إلى رب البشر:
اللهم كما مننتَ بالنجاح في الشطر الأول، فامْنُن بإتمام السطر،واجعل العلم نورًا، والعمل بركة، والطريق ثباتًا، والغاية رضاك. اللهم لا تجعل شهاداتنا أوراقًا جامدة، بل مفاتيحَ خيرٍ، وسبيلَ نفعٍ، ورصيدَ أثرٍ لا ينقطع. واجعل أبناءنا وبناتنا ممن يُكتب سطرهم في الأرض بعملٍ صالح، ويُتلى في السماء بدعاءٍ لا ينقطع