|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

كان المجلس ساكنًا كأن على جدرانه سكينة من عُمرٍ طويل، يُضيئه وقار يعلو على الزمان، فلا الترف يتسلل إليه، ولا السطوة تطغى عليه. أميرٌ في آخر العمر جلس بطمأنينة من عرف أن القيادة ليست امتلاك رقاب الناس، بل امتلاك زمام النفس. من حوله رجال شابت لحاهم بين سيوف وقراطيس، لكن السيادة يومها لم تكن لصوت القوة، بل لصوت الحكمة.
دخل الأعرابي. رجلٌ من البادية، بسيط الهيئة، تعبت قسماته كما يتعب الرمل حين يُثقل عليه العطش. في يده قارورة صغيرة يضمها إلى صدره كما يضمّ أحدنا آخر ما تبقى من قلبه. وقف أمام الأمير، لا مطأطئ الرأس ولا متجبّر النظرة، وقال بصوتٍ اجتمع فيه الحياء والرجاء: “يا مولاي، هذه قارورة ورثتها عن أبي… أطلب فيها مائة دينار.”
تأمل الأمير طويلًا، ثم أجاب برفقٍ فيه عظمة لا يُدركها إلا من خبر النفوس: “بل نعطيك مائة وخمسين.” لكن الأعرابي، بثباتٍ غريب، قال: “لا، مائة كما قلت، لا أزيد.”
أومأ الأمير لابنه أن يعطيه ما أراد، فأخذ الرجل ماله ومضى. وفي الليل، جاء الابن، يملؤه الاستنكار: “أبتِ… لقد خُدعنا! القارورة لا شيء فيها سوى ماء! ماءٌ عادي! لا حجر كريم، ولا أثر، ولا قيمة! كيف ندفع مائة دينار في لا شيء؟” ابتسم الأمير، تلك الابتسامة التي لا تصدر إلا ممن رأى أبعد من ظاهر الأشياء، وقال:
“يا بني… أنت نظرت بعينك، وأنا نظرت بقلبي. أنت رأيت ماءً، وأنا رأيت رجلًا أبى أن يُراق ماء وجهه في مجلسنا. لم يكن يبيع قارورة، بل كان يُغلف حاجته بغطاء من الحياء. وكان واجبنا ألا نكسر ذلك الغطاء.” ثم أضاف بصوتٍ كأنه وصية العمر:
“الكرامة لا تُشترى، لكنها تُصان. أنا اليوم لم أشترِ ماءً، بل اشتريت صمت الرجاء في قلب رجلٍ لم يطلب إلا بحياء.”
القيادة ليست أن ترى ظاهر الأشياء، بل أن تسمع خفقة الحياء في أعماق النفوس. ليست أن تتقن المساومة، بل أن تُتقن العطاء دون أن تُحرج السائل. ليست أن تحفظ المال، بل أن تحفظ ماء الوجوه. ذلك الموقف لم يكن درسًا في التجارة، بل في الكرامة. لم يكن صفقة، بل امتحان بصيرة. الابن رأى القارورة، أما الأب فرأى الإنسان.
في عالمٍ يزداد ضجيجه بالتحليل، وصرامته بالمنطق، وتكدُّره بالحسابات، تظل القيادة الرشيدة هي التي تحفظ في صمتها ما لا تُفصح عنه القلوب، وتحسن الصرف في موارد لا تُكتب في دفاتر المحاسبة: كرامة إنسان، وجبر خاطر، وصون ماء وجه. وما أكثر الذين يطلبون أجرهم صراحة، وما أندر الذين يُخفونه وراء قارورة قديمة، أو هدية متواضعة، أو قصة ملفوفة بالسكوت. هؤلاء لا يطلبون المال، بل يطلبون ألا تُنتزع منهم إنسانيتهم وهم يطلبون.
القيادة الحقة أن تعطي دون أن تُملِي، أن تفهم قبل أن تُفهَم، أن تسبق العطاء بالفطنة، وأن تسبق الفطنة بالرحمة. لا بأس أن تخطئ في تقدير السوق، لكن إياك أن تخطئ في تقدير الكرامة. فالمال يُعوَّض، أما ماء الوجه… فلا.
يروي أحد الحكماء:“رأيت من يُهين رجلًا على دريهمات، ففقد هيبته أمامي أكثر مما فقد الرجل مالَه أمامه.” ويقول الجاحظ: “أشدُّ الناس حاجة إلى المروءة من كان غنيًا، لأن من لا يُحتاج إليه إن أخطأ… لا يُغفر له.” وهكذا، تظل الحكاية شاهدة: لم تكن عن قارورة، ولا عن ماء، بل عن إنسان. لم تكن عن الأعرابي وحده، بل عن أميرٍ قاد بحكمة، فخلّد قيمة.
ولأن القيادة العظيمة لا تُقاس بعدد الأتباع، ولا بما امتلأت به الخزائن، بل بعدد الكرامات التي صانتها، سيبقى ذلك الأمير حيًا في ذاكرة الإنسانية. حيًا لا لأنه أعطى مائة دينار، بل لأنه أعطى ما لا يُشترى: إنسانية رجل. ومن لم يرَ سوى الماء… لم يفهم شيئًا. ومن رأى الإنسان… فهم كل شيء.