|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

لم تكن رسالة عابرة. كانت رسالة من النوع الذي لا يصل إلى هاتفك، بل إلى قلبك أولًا.
“هذا رقم الدكتور محمد… حتى ترسل له إنتاجك المستمر. بارك الله فيك.” هكذا قالها الصديق، ببساطةٍ تشبه الماء، وبدفءٍ يشبه نيّته.
في العادة، حين يطلب منك أحدهم أن ترسل شيئًا من إنتاجك، تبتسم وتعد… ثم يتوه الوقت في زحام المهام. لكن هذه المرة، لم تكن العادة حاضرة. كانت الرسالة تحمل معنى آخر… امتداد قلبٍ لقلب، وفكرٍ لفكر، ورفيقٍ ما كان يومًا رسولًا فقط، بل كان شريكًا في بناء الجسر.
عتبة الرسالة… ومفتاح المقال
الرسالة لم تكن للتوصيل، بل للتوصية. لم تكن مجرد رقم يُنقل،بل معنى يُصان. وكان لابد من ردٍّ يليق:
“ما منعني من التواصل إلا خشية أن أثقل، وأنتم في مقام تُراعى له الأشغال وتُحفظ له المقامات…”تلك هي الكلمات التي انطلقت من الكاتب نحو الصديق، لا لتعتذر، بل لتقول له بلغةٍ خافتة: “أنا لم أغب عنكم، كنت فقط أراعي المقام، وأنتظركم أن تفتحوا الباب.”
في المسافة بين الكاتب والقارئ… من يُكمل الطريق؟
نحن نعرف القارئ… نعم. لكن أحيانًا لا يعرف هو أننا نعرفه. نعرفه لأننا كتبنا وفي البال أن تمرّ عليه الكلمات، أن تهزّ فيه سكونًا، أن تفتح في قلبه نافذةً، أو تربّت على كتفه، أو تشعل فيه فكرةً بقيت نائمة. لكن بيننا وبينه، أحيانًا، مسافةٌ لا يعبرها المقال وحده. يعبرها صديق مشترك… يُدرك أن المعنى لا يكتمل حتى يُقرأ، وأن النص لا يحيا حتى يجد صدرًا يُؤويه. ذلك الصديق ليس ناقلًا فحسب… هو عين ثالثة ترى الخير في الآخر، وتُمهّد له الطريق. هو جزءٌ من النص… لكنه لا يكتبه، بل يُرسله، وفي إرساله نبضٌ لا يصطنع.
أدب الرسائل… ليس أداة بل روح
حين كتب العقّاد إلى طه حسين، لم يكن ينقل أخبارًا، بل كان يُودِع بين السطور دهشةَ فكرٍ ومحبةَ عقل.
وحين كتب الرافعي في “أوراق الورد”، كان يبني عالمًا موازيًا من الرسائل التي ليست بين عاشق ومحبوبة فقط، بل بين روحٍ تبحث عن معنى، وآخر يجيبه عنه. وهكذا، حين تبادلنا هذه الرسائل مع د. محمد كانت الكتابة تُعيد تشكيل نفسها… لا كخطابٍ من فرد إلى فرد، بل كجسر من إنسانية إلى إنسانية.
رسالة إلى القارئ… الذي هو جزء من المقال قبل أن يقرأه
أخي القارئ، الذي وصلتك الكلمات من وراء شاشة، لم تكن غريبًا علينا يومًا، حتى وإن تأخرت معرفتنا وجهًا لوجه. كنت في قلب النية، وفي محراب القصد، منذ أول مقال كتبناه وفي خاطرنا أن يصل إلى عقل مثلك، وروحك تُحسن الإصغاء. ما أرسلناه إليك لم يكن مقالات فحسب، بل قطعًا من أرواحنا، وأحلامنا، وصدقنا، ومرايانا التي ننظر فيها للزمن والناس والحياة. وأنت، حين قرأتها، أكملت الدائرة
المعرفة ليست ورقًا… بل أرواح تتلاقى
ما كتبه الكاتب، وما قرأه القارئ، وما مهّد له الصديق… هو مثلث لا تقوم فيه زاوية على الأخرى إلا بحضور الثالثة. والمعرفة هنا لم تكن معارفَ عقلية فحسب، بل تجربة شعورية كاملة:
• تُقدَّر فيها القلوب قبل الأفكار،
• وتُوزن فيها النوايا قبل الأسطر،
• ويُقاس فيها الأثر قبل الإعجاب.
في عالمٍ أصبح الاتصال فيه سهلًا، أصبحت المحبة في التواصل شيئًا نادرًا. لكنها لم تغِب عن هذه الرسائل، التي كانت أدفأ من اللقاء، وأعمق من كل تعليق، وأصدق من كل ضجيج.
المعرفة تُحمل على الأكتاف لا الملفات
لسنا في زمن نقص فيه الكلام… بل في زمن نقص فيه مَن يحمل الكلام بأمانةٍ إلى من يستحقه. وأن يكون لك قارئٌ يعرف قيمتك قبل أن يعرفك، وصديقٌ ينقل إنتاجك وكأنّه يُهدي رسالةً من روحه، فأنت لست كاتبًا فقط… بل إنسانٌ محاطٌ بالمعنى، من حيث لا تدري. وهذا هو المجد الذي لا يُكتب في السير الذاتية… بل يُكتب في الرسائل التي تُرسل من القلب… إلى القلب… عبر قلبٍ ثالث. محبكم الذي فخر بكم من بعيد، وقرأكم بقلبه قبل عينيه،وشكر الله أن جعل المعرفة جسرًا، والصحبة خيرًا، والكلمة عونًا.
وهكذا، ما بين الكاتب الذي يبوح، والقارئ الذي يُصغي، والصديق الذي يَصل ما انقطع… ندرك أن الكلمة ليست حبرًا على ورق، بل جسور أرواح تعبر بنا من وحدة الفكرة إلى رحابة المشاركة. ومن يرزقه الله قارئًا يصدّق، وصديقًا يَصدُق، فقد نال شرفًا لا تمنحه الصفحات ولا تكتبه السير… بل يمنحه الله في هِبةٍ اسمها: صحبة المعنى.