|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

قلتُ للرجل الواقف على عتبة الزمن:
أعطني نورًا أستضيء به في هذا الغيب المجهول، فإنني حائر. فقال لي: ضع يدك في يد الله، فإنه لا يخذل السائلين.
وعلى مفترق الطرق، وقف الساري الكليل، المرهق من طول الطريق، ينظر خلفه فيرى مساحات أضاع فيها النور، ويتطلّع أمامه فيرتعد قلبه من غموض ما ينتظره. تلك لحظة لا يُمسَك فيها بالقلم، بل تُكتَب فيها الروح، ويُستدعى الضمير ليُراجع دفتر عمره.
أيها الحائر، المتعب، الراقد فوق وسادة من أسئلة… إلى متى التيه وبيدك المصباح؟ ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾
هنا الطريق، وهنا الضوء، وما بين الآيتين حياة كاملة يمكن أن تبدأ الآن… لا غدًا.
يا من أثقلته الأيام، وأضنته الخطايا، أجب نداء العليم الخبير:﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ من الذي أضناك؟ من الذي قال لك إن الرحمة انتهت؟
الله، الذي خلقك من ضعف، يحبّك وأنت تائه، ويشتاق إليك وأنت غافل.
ذنبك لا يعجزه، وتوبتك لا تبطئه، ودمعتك – ولو كانت خفية – تُقابل عنده بنهر من مغفرة.
اجلس حيث السحر، حيث تسكن الأصوات، ويعلو صوت القلب.
ابكِ، إن استطعت. وإن لم تستطع، فاشتكِ. واهمس: يا رب، أنا العائد من كل شيء إلا إليك.سيجيبك، لا بصوت، بل بطمأنينةٍ تسري في صدرك، كأنك عدت طفلًا وضع رأسه على صدر أمه بعد طول فِقد.
﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ ليس يحبهم فحسب… بل يُحب لحظة توبتهم، ابتداءهم من جديد، تعثّرهم ورجوعهم، وانكسارهم ثم نهوضهم.
يا ابن آدم… ما أقرب الله إليك وأنت لا تدرك، وما أرحمه بك وأنت لا تقدّر! قال في الحديث القدسي:
“أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة.” تأمل ذلك… أنت تمشي وهو يهرول. أنت تسير ببطء، وهو يُسرع إليك، لا ليعاقبك، بل ليعانقك بالرضا.
وما الحياة إلا وقت، وما الوقت إلا عمر، وما العمر إلا لحظة قد تُبعث فيها من جديد. عامٌ يُطوى، وآخر يُفتح. صفحات من نور، وأخرى من غفلة. لكنك الآن هنا… بين يدك فرصة أن تُكتب صفحة بيضاء،
بدايةً لا يشترط فيها أن تكون قويًا، فقط أن تكون صادقًا. قِف على أعتاب المحرّم، قل لنفسك: لقد أمهلني الله، وأنا أمهلت نفسي…
لكن إلى متى؟ قال بعض الصالحين: “المؤمن أبدًا بين مخافتين:بين ماضٍ لا يدري ما الله صانع فيه، وبين مستقبل لا يدري ما الله قاضٍ فيه.”
فخذ من نفسك لنفسك، ومن وقتك لما بعد الوقت، ومن اليوم لما بعد الحساب.
ولا تسأل: كم عامًا بقي لي؟ بل اسأل: كم نية صادقة كتبتُ بها حياتي؟ وكم ذنبًا خلّفته وراءي وواصلت الطريق؟ وكم قلبًا طيّبته، وكم سطرًا محوته بيني وبين ربي؟
إنما الهجرة الحقيقية ليست إلى يثرب، بل من نفسك إلى ربك،
من غفلتك إلى يقظتك، من ذنبك إلى مغفرته، من ضعفك إلى جنبه،
ومن التيه الطويل… إلى الموكب الهادئ في ظل الرحمن. وما أجمل أن تكون أولى لحظات العام الجديد جلسة صادقة تقول فيها: “اللهم لا أعرف ماذا سأفعل، لكني أعرف أني لا أملك غيرك.” فتُكتب لك بداية، ويُفتح لك باب، وتُضاء لك أيام،وتُرفع عنك ظلمات.
يا ابن آدم… لا تقل مضى العام، بل قل: مضيتُ أنا معه. ولا تقل: سأبدأ، بل قل: ها قد بدأت. ولا تسأل: من سبقني؟ بل سل: هل تقبلني؟وابكِ، لا لأنك تأخرت، بل لأن الله ما زال ينتظرك.
ها هو العام يفتح ذراعيه،
لا ليُهنئك، بل ليُحاسبك،
فاختر لنفسك أيّ وجه تقابل به الوقت… هل هو وجه التوبة، أم وجه الإصرار؟ هل هو قلبٌ رقّ، أم قلبٌ غلظ؟ هل أنت العائد، أم المستغرق في الغياب؟
واعلم أن كل لحظة تمضي، هي ورقة تنزلق من كتابك إلى السماء…فاختر أن تكون أول صفحة من العام الجديد،مكتوبةً باسمك في ديوان التائبين. فاللهم إن كان العام الماضي شاهدًا علينا، فاجعل العام الجديد شاهدًا لنا، واكتب أول سطر فيه بتوبة صادقة، وصفحة بيضاء، وباب مفتوح لا يُغلق. واجعلنا يا رب من الذين إذا مضى عنهم الوقت، لم يمضِ ذكرهم عندك… بل بقي نورهم في صحائفك إلى يوم نلقاك.