حين ابتسمت الدوحة وازدهرت جَنّة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

لم يكن مساء الجمعة في التاسع والعشرين من أغسطس عام 2025 عاديًا، فقد بدا وكأن الزمن نفسه تأنّق ليتزيّن لعرس من نوع آخر، عرسٍ تسابق فيه البشر والملائكة على الفرح، حين اجتمع الأحباب في دوحة الخير- قطر- ليشهدوا لحظةً تصنع الذاكرة وتبقى على مر الأجيال: عقد قران جَنّة أحمد نادي، ابنة الغالي الذي ما عرفه أحد إلا وخفق قلبه بحبه.

الدوحة في تلك الليلة لم تكن مدينة، بل كانت قلبًا نابضًا بالمحبة. بعد صلاة العشاء مباشرةً، حين لا يزال في الأفق أثر من نور يوم الجمعة وبركته، علت ابتسامة عريضة على وجه كل من حضر. كانت الفرحة صافية رقراقة، تمتد بين الأيدي المتشابكة، والقلوب المطمئنة، والعيون التي تلمع ببريق يترجم سعادة لا تُوصَف.
جنة… اسمها وحده كان وعدًا، لم تكن مجرد عروس في تلك الليلة، بل كانت رمزًا لأمل يتفتح كوردة بعد طول انتظار، وكأنها رسالة السماء بأن البيوت التي تُبنى على الحب ستظل عامرة بالسكينة. أما يوسف، العريس، فكان حضوره مهيبًا، يكسوه الوقار الممزوج ببشاشة الروح، يبعث في النفوس يقينًا أن هذه الخطوة بداية حكاية عنوانها الصفاء.

لكن سر هذه المناسبة لم يكن في جمال العروس أو هيبة العريس فحسب، بل في القلب الذي كان وراء كل شيء… أحمد نادي بوجنة. رجل عرفه الناس فأحبوه، لا لأن يده كانت مبسوطة فقط، بل لأن قلبه كان أكبر من أن يُحدّ. لذلك لم يكن غريبًا أن يتوافد من تركيا، والكويت، وكينيا، ومن كل مكان، أحبابٌ وأصدقاء حملوا مشاعرهم قبل أمتعتهم، جاءوا يترجمون في حضورهم ما قاله الحكيم: “المحبة التي تزرعها في القلوب، هي الثروة الوحيدة التي لا يسرقها الزمان”. الدهشة كانت في تفاصيل صغيرة لكنها عظيمة. من عرض خدماته لتوزيع الأطعمة والمشروبات، إلى من أصر على أن يكون في خدمة الضيوف، إلى ابتسامة طفلٍ صغير يركض بين الجموع وهو لا يفهم معنى المناسبة لكنه يشعر بدفء المشاعر. كانت لحظة تختصر قول جبران خليل جبران: “ليس الفرح في الأشياء بل فينا نحن، في قدرتنا على أن نرى البهجة في العيون، وأن نسمعها في الضحكات.”

وما زاد اللحظة وقارًا، أن من تولى عقد القران كان فضيلة الشيخ أحمد المعصراوي، الرجل الذي عاش عمره مع القرآن، ليكون حضوره في تلك الليلة بركة مضاعفة، وكأن الكلمات التي نُطقت لم تكن صيغة عقد فقط، بل كانت عهدًا بين السماء والأرض أن يكون هذا البيت من البيوت التي يُقال فيها: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة.” وأنا أتأمل وجوه الحاضرين، لم أرَ إلا مشاعر جياشة، بعضهم دمعت عيناه دون أن يشعر، وبعضهم كاد صوته يختنق فرحًا، وبعضهم كان يعانق الآخر وكأنه يحتضن العالم كله في لحظة واحدة. كانت المناسبة تختصر معنى قاله سقراط منذ قرون: “الزواج ليس رباطًا بين شخصين فقط، بل هو مدرسة للأمة، تبدأ فيها الأخلاق وتترسخ فيها القيم.”

يا لها من ليلة… بشاشة في كل وجه، وهشاشة في القلوب التي لم تحتمل فيض المشاعر، حبٌ يتدفق بلا مقابل، وسعادة تتوزع بعدل بين الجميع، فلا كبير ولا صغير، الكل كان عائلة واحدة. وكأن دوحة الخير أرادت أن تقول: “هذا هو معنى الإنسانية حين تلبس ثوب الفرح”.

إنني على يقين أن هذه المناسبة ستظل محفورة في القلوب أكثر مما سُجِّل في الصور، فالصورة قد تشيخ، أما الشعور فلا يشيخ. وما أجمل أن يكون الشعور مقرونًا بالبركة، أن يولد البيت الجديد على أرض محبة، في مساء جمعة، تحت دعاء شيخٍ جليل، وفي حضن أبٍ تفيض محبته، وأمٍ تتلألأ دموعها فرحًا.

لقد كان عقد القران هذا أكثر من حدث عائلي، لقد كان درسًا في المحبة الإنسانية، وتجسيدًا لمعنى قاله الفيلسوف تولستوي: “السعادة الحقيقية لا تكون في الفرد وحده، بل في أن ترى فرحك ينعكس في قلوب الآخرين.” وهذا ما حدث بالضبط؛ كان فرح جنة ويوسف فرحًا جماعيًا، تشاركته وجوه وأرواح من ثقافات وبلدان مختلفة، وكأنها رسالة كونية أن الفرح هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع بلا ترجمة. حين انتهت المراسم، لم يكن هناك من أراد المغادرة مسرعًا. الكل بقي، يتأمل، يتحدث، يضحك، يدعو. اللحظة نفسها كانت جاذبة، كأنها تمنعك من الخروج. ولعل هذا ما قصده المتنبي حين قال: “إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ… فلا تقنعْ بمـا دون النجومِ” فهذا الشرف لم يكن شرف نسبٍ فقط، بل شرف محبةٍ عظيمة جعلت الجميع ينظرون إلى الفرح كأنه نجم يضيء سماء الدوحة.

في ختام الليلة، رفعت الأيادي بالدعاء، ورفعت العيون نحو السماء، والقلوب تلهج بأن يكون بيت يوسف وجنة جنةً على الأرض قبل أن تكون جنة في السماء. وكل واحد غادر المكان وفي قلبه أمنية، أن تتكرر مثل هذه اللحظات النادرة، حيث يصبح العرس مدرسة في المحبة، والفرح عهدًا بالوفاء. ذلك لم يكن عقد قرانٍ فحسب، بل كان ميلادًا جديدًا لروحٍ جماعية، وتجليًا لمعنى الإنسانية في أنقى صورها. لقد ابتسمت الدوحة حقًا، وازدهرت جنة، وأشرقت القلوب ببريقٍ لم ولن ينساه من حضر، لأن هناك أفراحًا تمرّ مرور العابر، وأفراحًا تبقى وثيقة في روح كل من لامسها… وهذا الفرح كان من النوع الثاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top