|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

في الدوحة، تلك المدينة التي وُلدت من رحم البحر والصحراء معًا، وتعلمت أن تصوغ من الملوحة والقيظ أنشودة للحياة، كانت الريان على موعد مع مشهد لا يُكتب في تقارير رسمية ولا يُحصر في صفحات الذكرى، بل يبقى معلقًا بين دفتي الروح.
يوم الأحد، الثلاثون من أغسطس 2025، حيث دعوة كريمة من سعد المسفري (بوعبدالله)، رجل ما جمع بين الضيافة والثقافة إلا وأعاد إلى الذهن صورة العرب حين كان الكرم ليس عادة بل هوية، وحين كان المجلس ليس مكانًا بل مدرسة.
كانت البداية ككل القصص الجميلة: عفوية. دعوة بالأمس، وصديق كاد أن يعتذر، إلا أن بو محمد الشهواني ابتسم وقال ببساطة لا تُقاوم، “قل: تم.” لم تكن الكلمة مجرد جواب، بل كانت مفتاحًا سحريًا أضاء قلب بوعبدالله، فانشرح صدره، وشكر الروح الطيبة التي تقابل الدعوات بقبول يليق بها. وهنا تذكرت قول الحكيم: “الصدور التي تنبض بالقبول، أوسع من قصور الذهب.”
وحين دقت ساعة اللقاء بعد صلاة الظهر، انفتحت أبواب البيت كما تنفتح نوافذ البحر للريح، يسبقك الترحيب قبل أن تخطو، وتستقبلك القهوة العربية مع التمر، كأنها برتوكول أصيل يُعلن: “أهلاً بك في قلبٍ قبل أن يكون في بيت.” ثم جاء الشاي، ينساب في الفناجين كما ينساب الكلام العذب بين الأصدقاء.
لكن المفاجأة الكبرى كانت المائدة البحرية التي امتدت كلوحة تشكيلية أبدعها فنان يتقن التنويع في الألوان والإيقاع. هناك البوري “البياح” المشوي، الكنعد، والصافي، الشعري المقلي الذي يتقافز بريقه في الزيت كأنه يضحك، الروبيان الغارق في صلصته التي تحمل نكهة البحر، والهامور الذي تكرر مرتين: مرة بالأرز الأصفر في انسجام كلاسيكي، ومرة بالصلصة التي جعلت الطبق مسرحًا من البهجة. وإلى جانبهم، أرز أبيض يذكرك أن العظمة قد تسكن في البساطة، وأن الأبيض لا يقل جمالًا عن الموشى. أما السلطة، فقد كانت درسًا في العمارة. طبق هندسي التقطيع، دقيق الزوايا كأنه مرسوم بمسطرة، وآخر معمارية الملامح، عفوي البناء، كأنما يذكرك أن الفن لا يكون واحدًا، بل يتعدد بتعدد الذوق. اللبن حاضر، والمياه تسقي العطش، والفواكه – بطيخ أحمر كالشفق، وشمام أصفر كالنهار – تكمل المشهد. ثم يعود الختام للقهوة والشاي، كمن يُعيد المستمع إلى مقام البداية بعد لحن طويل.
لكن، لم يكن الجمال في الأطباق وحدها. كان في الحوار الذي دار حولها. بوعبدالله ليس مجرد مضيف، هو مثقف عميق، يحمل بين كلماته عالمًا متعدد الألوان. حديثه يرحل بك من التاريخ إلى الأدب، من التجارب الإنسانية إلى النكتة الخفيفة التي ترفع الحواجب ابتسامًا. وعندما اقتربت الأيدي من أن تُرفع عن الطعام، مازح ضيوفه قائلاً: “يا جماعة الخير، أم عبد الله ستحزن إن رأت الطعام لم يُؤكل!” ضحك الجمع، وتحولت العبارة إلى عهد ضمني ألا يغادر أحد إلا وقد جعل قلب أم عبد الله مطمئنًا.
الجاحظ قال يومًا: “المجالس حياة أخرى.” ولقد صدق. هنا، لم يكن المجلس مجرد مكان، بل حياة صغيرة مكتملة: فيها الطعام شعر، والضحكة موسيقى، والحديث مكتبة مفتوحة، والكرم منهج للتربية. بل يمكن القول إن مجلس بوعبدالله كان تجسيدًا لرؤية إنسانية كبرى: أن الضيافة ليست في اليد التي تقدم الطعام، بل في القلب الذي يفتح أبوابه دون حساب. ولقد تذكرت قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا يقعد أحد عند طعام حتى يُؤذن له، ولا يُؤذن حتى يوضع الطعام.” وهنا، كان الإذن مفتوحًا، والطعام حاضرًا، والنفوس راضية قبل البطون. بل بدا أن المائدة لم تكن تُشبع جوعًا بقدر ما كانت تُشبع حاجة أعمق: حاجة الإنسان لأن يشعر أنه مرحب به، أنه جزء من أسرة، ولو لساعات.
إن سعدًا “بوعبدالله” بما يملكه من ثقافة واسعة وذوق رفيع، جعل المائدة جسرًا بين الثقافات. في أحاديثه، تلمح الشرق والغرب معًا، والقديم والحديث في انسجام. وما ذاك إلا لأنه يدرك أن العالم اليوم لم يعد يُبنى فقط بالحدود والسياسات، بل باللقاءات الإنسانية الصادقة التي تُعيد تعريف معنى “المشترك”. وهنا تكمن شاعرية المشهد: أن التفاصيل الصغيرة – كلمة “تم”، ابتسامة المضيف، مازحة عن “أم عبد الله”، طبق شعري مقلي، أو فنجان قهوة – قد تُصبح لحظات خالدة. يقول طاغور: ” قد ينسى الناس ما قلت، لكنهم لا ينسون كيف جعلتهم يشعرون.” وبوعبدالله جعل الجميع يشعرون أنهم في بيتهم، وأنهم، ولو لساعات، أبناء قلب واحد.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن تلك الجلسة في الريان لم تكن مجرد غداء بحري، بل كانت قصيدة إنسانية مكتملة الأركان، تُذكّر أن الكرم حين يكون ثقافة، يتحول إلى فن، وأن المائدة حين تكون محاطة بالحب، تتحول إلى مدرسة تعلمنا أن الحياة لا تُقاس بما نأكل، بل بمن نأكل معهم. فيا دوحة الخير، ويا ريّان الكرم… لقد شهدتما لوحة لا تتكرر، لوحة رسمها سعد المسفري بوعبدالله بيدٍ من وفاء، وريشة من ثقافة، وألوان من بحر وعطاء. لوحة لا تشبع العين من النظر إليها، ولا القلب من تردادها، ولا القلم من محاولة الإمساك بظلها.