الساندويتش الذي أطعم القيم

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

لم يكن ذلك الصباح مختلفًا عن غيره في مدرسةٍ متوسطةٍ على أطراف المدينة، حيث تدبّ الحياة في الساحة مع أول نداء للطابور. غير أن ثمة قصة صغيرة كانت تتكوّن بصمت، كزهرةٍ تتفتح في ركنٍ لا تراه العيون أول الأمر، لكنها تحمل عطرًا يظلّ في المكان طويلًا بعد أن تنصرف الخطى.

كان عبيدة، الطالب في الصف الثاني المتوسط، يحمل حقيبته بخطواتٍ واثقةٍ ومتواضعة في آنٍ واحد. بين دفّتي كتبه ملاحظات صغيرة يدوّنها بخطٍ أنيق، وبين يديه ساندويتش شاورما اشتراه بآخر ما يملك من نقود. لم يكن كثير الكلام، لكنه يملك تلك الهيبة الهادئة التي تولد من بيتٍ عرف أن التربية ليست تلقينًا، بل زرعًا طويل الأمد. وفي الجهة الأخرى من الساحة، كان رائد، طفلًا في الصف الخامس الابتدائي، يشارك في نشاطٍ مدرسي تطوعي نظمته المدرسة، يلمع في عينيه بريق حماسٍ بريء. كانت يداه مشغولتين بترتيب أدوات الرسم، بينما في ملامحه شيء من الجوع الذي حاول أن يخفيه بابتسامة.

نعم، كان بينهما نسبٌ. لكنّ ما جمعهما أسمى من القرابة، إذ تلتقي الأرواح أحيانًا على صعيدٍ أرفع من المكان. اقترب عبيدة بهدوء، جلس إلى جواره، تبادلا أطراف الحديث، ثم رأى ما لم يقله الطفل: رائد لم يتناول فطوره. مدّ عبيدة الساندويتش بين يديه وقال ببساطة: خذه يا رائد، كنت أظن أنني جائع، لكن يبدو أنني شبعان بك. تردّد رائد أول الأمر، لكن عبيدة أصرّ بابتسامة، ثم راقبه يأكل، كمن يشهد ولادة معنى من رحم اللحظة. لم يكن الساندويتش وجبة، بل اختبارًا صغيرًا للإنسان فينا. لقد علّم عبيدة من حيث لا يدري أن الكرم لا يقاس بما نملك، بل بما نقدّم حين لا نملك إلا القليل.

يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: “ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئًا إلا أعطاه.” كان يعطي لا لأنه يملك، بل لأنه يعرف أن المنع يُفقِر القلب قبل اليد. وهكذا فعل عبيدة، دون أن يستحضر الحديث، لكنه جسّده في فطرته. وليس غريبًا أن تنبت القيم في أرضٍ طيبة. فمنشأ عبيدة بيتٌ يعرف أن التربية ليست “أوامر” ولا “عقوبات”، بل تجارب تُزرع في الصغر لتثمر مواقف في الكِبر. قال جبران خليل جبران يومًا:

 “أنتم الأقواس وأبناؤكم السهام الحية التي ترسلونها إلى المستقبل.” وقد كانت يد عبيدة، بتلك البساطة، تطلق سهمًا صغيرًا من الرحمة نحو الغد.

في ذلك النشاط المدرسي، كان الهدف تعليميًا، لكن ما جرى بين عبيدة ورائد تجاوز المنهج كله. رآهما أحد المعلمين من بعيد، فاقترب متأملًا المشهد دون أن يعلّق. وحين انتهى اليوم الدراسي، قال لزملائه في غرفة المعلمين: ” اليوم، لم أدرّس رياضيات، لكني رأيت درسًا في الإنسانية يُدرّس بلا كتاب.” ضحك بعضهم، وظنّوها مبالغة، لكنه كان يدرك أن المواقف البسيطة هي من تصنع ذاكرة الأمة. فالتاريخ لا يكتب أسماء الأغنياء بقدر ما يكتب أسماء من تذكّروا الأصدقاء وظلوا أوفياءً.

حين عاد عبيدة إلى البيت، سألته أمه إن كان تناول طعامه في المدرسة، فأجاب بصدقٍ خجول: لا يا أمي، أكلته رائد. نظرت إليه بدهشةٍ أولًا، ثم بصمتٍ ثانٍ، ثم ابتسمت وقالت: “رزقك الله من حيث لا تحتسب يا بني، كما رزقت قلب صديقك هدية صادقة، وعسى ربي أن يحقق فيك قول الله: ويؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة” كانت الأم تعلم أن الموقف الصادق لا يُقاس بثمنه، بل بأثره، وأنه سيبقى في قلبه نورًا يضيء كل مرة يختار فيها بين ذاته وضميره.

بعد أيام، أقامت المدرسة فعالية لتكريم المشاركين في النشاط. حصل رائد على شهادة مشاركة، لكنه أصرّ أن يقف إلى جوار عبيدة حين التقطت الصورة الجماعية. وحين سأله المعلم: لماذا اخترت عبيدة تحديدًا؟ قال رائد ببساطةٍ طفولية: لأنه أطعمني دون أن يطلب أن أذكره. سكت المعلم، وابتسم الجميع، ولم يدروا أن الطفل الصغير أعاد صياغة مفهوم النية الخالصة بعبارةٍ واحدة. يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “قيمة كل امرئ ما يُحسن.” وقد أحسن عبيدة بما لم يحسنه كثير من الكبار. أحسن النية، وأحسن الاختيار، وأحسن الإخفاء، فاستحق أن يُرفع ذكره بغير طلب. وصدق من قال: “العظمة الحقيقية هي أن تكون طيبًا.” تلك هي عظمة عبيدة: طيبة لا تستعرض نفسها، بل تعمل في صمتٍ كجذرٍ يسقي الشجرة من تحت الأرض.

في أحد الأيام، عاد رائد يحمل في يده قطعة شوكولاتة صغيرة اشتراها من مصروفه، وذهب إلى عبيدة في الفسحة قائلاً له بخجل: اليوم دوري أنا. ضحك عبيدة وقال: كبرنا يا رائد، صرنا نتقاسم الحلا والذكرى. كانت تلك اللحظة امتدادًا للأولى، لكنها حملت معنى أعمق: أنّ الخير حين يُزرع لا يعود هبةً بل يصبح عادة، بل يصبح “هويةً”.

في دفتر الأنشطة، كتب المعلم ملاحظة بخطّه الأنيق: “رأيت في هذا اليوم كيف يمكن لقيمةٍ واحدة أن تعيد بناء جيلٍ كامل. عبيدة أعطى ساندويتشًا، لكنه في الحقيقة أعاد تعريف الغنى.” ثم أضاف جملة نقلها من مالك بن نبي: “القيمة الكبرى للإنسان ليست فيما يملكه، بل في قابليته للعطاء.”

حين نغلق هذا المشهد ونسير خارج المدرسة، نكتشف أننا جميعًا شهود على قصة صغيرة بحجم لقمة، لكنها تحمل درسًا في الإيثار لا تحمله مجلدات. ففي زمنٍ غلبت فيه الأنانية، أهدى عبيدة العالم لحظةً من الطهر. ولذلك لا ينبغي أن يُذكر اسمه كحدثٍ عابر، بل كرمزٍ لجيلٍ ما زال قادرًا أن يقول: “أنا أراك، وأشعر بك، وأقدّرك، ولو لم أملك إلا ساندويتشًا واحدًا.” يقول مصطفى صادق الرافعي: “النفوس الكبيرة وحدها تعرف كيف تتنازل.” فما فعله عبيدة لم يكن صدقة طعام، بل تنازل نفسٍ كبيرةٍ عن شهوةٍ صغيرة. وقد كان رائد، من دون أن يدري، هو الشاهد على أن العطاء ليس فوقيّة، بل مشاركة في إنسانية واحدة.

تمرّ الأعوام، وسيكبر عبيدة، وسينسى تفاصيل المدرسة، لكنه كلما جلس إلى مائدةٍ فاخرةٍ سيذكر أنه يومًا ما أكل من الجوع جوعَ غيره، وأن اللقمة التي لم يأكلها كانت أطيب ما تذوّقه في حياته. أما رائد، فسيكبر وهو يحمل في ذاكرته طعم ذلك الساندويتش، لا لأنه كان لذيذًا، بل لأنه كان أول لقمةٍ فيها طعم الحنان.

في نهاية المقال، لا بد أن نهمس: ما حدث ليس صدفة، بل ثمرة لتربيةٍ رصينةٍ وفطرةٍ نقيةٍ وتوجيهٍ مؤمنٍ بأن “الولد الصالح ليس من يصلي فقط، بل من يستشعر آلام الآخرين. عبيدة لم يدرس في كلية الشريعة، ولم يقرأ كتب الفلاسفة، لكنه ترجم بفعله قول الحسن البصري: “البرّ ليس بالتحلّي ولا بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل.” اللهم ازرع في أبنائنا من صنف عبيدة، وازرع في مدارسنا من ضوء رائده، واجعل من لقمةٍ صغيرةٍ بابًا لخيرٍ كبير. فالعالم لا يحتاج لمزيد من العقول الذكية بقدر ما يحتاج قلوبًا تعرف كيف تعطي حتى وهي جائعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top