|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في بدايات كل مؤسسة ناشئة، ثمة ضوء صغير يشبه أول فجرٍ في صحراء طموحة. ليس للضوء لون محدد، لكنه يحمل في جوهره الوعود كلها: أن تكون المؤسسة مختلفة، أن تترك أثرًا لا يزول، أن تبني لا مجرد جدران من أنظمة ولوائح، بل روحًا من صدقٍ ومسؤولية. هكذا وُلدت المؤسسة الجديدة، تحمل حلم الريادة لا في المظهر، بل في المنهج، في أن يكون البناء المؤسسي عملًا إيمانيًا قبل أن يكون إداريًا، وأن تكون الكفاءة عبادة لا وظيفة. اجتمع المؤسسون على قلب رجلٍ واحد، ثم بدأت رحلة البحث عمّن يضع الحجر الأول في هذا الصرح الوليد: نظام لأحد المحاور المؤسسية يُبنى بالمنطق والمهنية، ويُدار بالعقل قبل العاطفة.
اختير أحد الأشخاص ليقود المشروع، باتفاقٍ، وأعمال محددة، وخريطة زمنية واضحة لا لبس فيها. كان الاتفاق أن يُنجز العمل بجودة تليق بالبداية، وأن يكون الأجر بعد اكتمال البناء، وكأنها صفقة شريفة بين ضميرين. لكن الأيام كما قال سقراط: “تمتحن الرجال لا بالأقوال بل بالأفعال”، ومع مرور الوقت بدأت الخيوط تتداخل، وبدت النية الأولى وكأنها تُستبدل بغاية أخرى.
المرحلة الأولى: حين تختبر الأمانة صبر الإدارة
مرت الأسابيع الأولى كنسيمٍ يحمل التفاؤل. الاجتماعات تُعقد، الخطط تُرسم، والتقارير تتوالى. بدا كل شيء يسير في مساره الصحيح، حتى بدأت المواعيد تتأخر شيئًا فشيئًا، والوعود تُرحّل من أسبوع إلى آخر، ومن شهر إلى شهر. كان الاتفاق واضحًا، محدد القيمة، مضبوط المدة، لكن الإنجاز لم يكن يقيس نفسه على الورق، بل على الوجدان. حين راجعت الإدارة ما أُنجز، وجدت أن 9 أشهر مضت، بينما الخطة بالكاد تحركت بنسبة لا تتجاوز 30%. عندما سُئل المكلف عن السبب، أجاب بثقة: “لقد أنجزت 85% من الخطة!”. ابتسمت الإدارة، لا سخرية، بل رفقًا به، لأن من لا يرى الحقيقة في مرآة العمل، سيظل يصدق ظله.
هنا تجلت حكمة القرار: لم تُعلن الإدارة عجزه، بل طلبت منه ترشيح طرف محايد لتقييم المنتج مقارنة بالخطة. لكنه لم يفعل. لم يكن يجهل كيف ستكون النتيجة، بل كان يعلم تمامًا أن ما قدمه ليس إلا نسخة من مؤسسة يعمل بها، لا فكرًا جديدًا ولا بناءً مؤسسًا. قال أحد المؤسسين يومها مقولةً لأرسطو: “الغاية لا تُبرر الوسيلة إلا عند من فقد البصيرة، لأن البناء الصادق يُولد من رحم الجهد، لا من رحم النقل.”
المرحلة الثانية: حين تكتشف الإدارة أن الخطة ليست أهم من النية
الذكاء الإداري لا يقف عند الخطأ، بل يقرأ ما خلفه. لم يكن الهدف أن يُعاقب المقصر، بل أن تُفهم الدروس، لأن كل تجربةٍ تُهدي المؤسسة مرآةً تنعكس فيها نواياها. اجتمع الفريق الإداري في جلسة مطوّلة. لم يتحدثوا عن الأرقام أولًا، بل عن الجوهر: كيف نحمي روح المؤسسة من أن تُستهلك في البدايات؟ كيف نحافظ على الصدق معيارًا، لا الشطارة ولا الحيلة؟ كانت الإجابة في عبارةٍ خطها أحد الحكماء على لوحة داخل القاعة: “ليس البناء أن تُنهي المشروع في موعده، بل أن تخرج منه وأنت أصدق مما دخلت.”
تلك اللحظة لم تكن مجرد مراجعة أداء، بل امتحان ضمير. لقد أدركت الإدارة أن البناء المؤسسي ليس في كم الوثائق، بل في نوع النفوس التي تصوغها. ولأنها لم ترد أن تُغلق الباب، بل أن تُنضج الفهم، أرسلت رسالة داخلية ملهمة: “إن قيمة العمل لا تُقاس بالمدة ولا بالمخرجات وحدها، بل بما يتركه من أثر في السلوك والنية. أما المنتج المنسوخ، فإنه يعيش قليلًا ويموت سريعًا، لأن الأصل في المؤسسات أن تبتكر، لا أن تُقلد.” هنا اتضح المعنى الأعمق: أن من يسرق الفكر لا يسرق المؤسسة فحسب، بل يسرق فرصتها في أن تكون هي نفسها.
المرحلة الثالثة: حين يصبح الإخفاق معلّمًا لا عيبًا
بعد مرور التجربة، لم تتوقف الإدارة عند اللوم، بل درست الحدث كأنها تقرأ رواية تربوية: في كل سطرٍ منها عبرة. لقد أدركت أن كل مؤسسة تمر بمرحلة “الانخداع بالوعود”، وأن الحكمة ليست في تفادي التجارب، بل في استخلاص نقائها بعد مرارتها. في الاجتماع الأخير، قال المدير العام عبارة اقتبسها من نيلسون مانديلا: “أنا لا أخسر أبدًا، إما أن أربح أو أتعلم.” كانت تلك الجملة بمثابة إعلان ميلاد مرحلة جديدة في التفكير الإداري. أصبح التركيز بعدها على بناء منظومة داخلية تقوم على الثقة المقاسة بالأداء لا بالتصريحات، وعلى التعاقد مع الضمير قبل القلم. تغيرت السياسات، لا قسوةً، بل نضجًا. أُضيف بند جديد في كل اتفاق: “المسؤولية المعنوية قبل المادية”، وهو بندٌ بسيط لكنه غيّر فلسفة المؤسسة بأكملها. حينها فقط، بدأ النور الحقيقي يظهر: فالمؤسسات لا تنمو حين تُنفق أموالها فحسب، بل حين تتعلم كيف تُنفقها فيمن يستحق.
ما بين النية والعائد
لقد كشفت التجربة أن البناء المؤسسي يشبه الزرع في أرضٍ جديدة، لا يكفي أن تسقيه بالماء، بل أن تختار من يغرسه بنيةٍ صادقة. لأن العامل الذي يرى في المؤسسة مجرد فرصة ربح، لن يزرع فيها إلا بذورًا سريعة الذبول. أما من يراها رسالة، فكل فكرة يخطها تصبح كأنها دعاءٌ بالخير، وكل تأخيرٍ عنده فرصة مراجعة لا هروب. في تلك اللحظات، أدركت الإدارة أن أعظم استثمار هو في الإنسان الذي يعي الأمانة، قال أحد الحضور وهو يبتسم بتأمل: “إن كان في المؤسسات موازين تقيس النية كما تقيس الجودة، لعرف الناس أن أكثر المشاريع فشلًا تبدأ من نيةٍ غير مكتملة.” ومن هنا، نشأت القاعدة الذهبية التي أصبحت شعار المرحلة التالية: “من يبدأ مشروعًا بالنية الصحيحة، سيكمله بالنتائج الصحيحة، وإن تأخر.”
صدق المقصد
في دورة تدريبية لاحقة، استشهد أحد المستشارين بمقولة: “قيمة كل امرئ ما يُحسن.” ثم أردف قائلاً: “الإحسان ليس جودة العمل فحسب، بل صدق القصد فيه. ومن يعمل ليُقال، لن يُكتب له البقاء في صفحات الإنجاز”. كانت تلك الكلمة كأنها جرس تنبيهٍ داخلي، أيقظت الفرق العاملة من سبات الاعتياد، فأصبح كل قسم يسأل نفسه قبل كل مهمة: هل نُتقن لأننا نُراقب، أم لأننا نُؤمن بأن الله لا يضيع أجر المحسنين؟
حين تنضج المؤسسة من جرحها
ومع مرور الشهور، لم يعد أحد يذكر تلك الحادثة كإخفاق، بل كتجربة تأسيسية نحتت في ذاكرة المؤسسة معنى جديدًا: أن الحكمة لا تُكتسب من الكتب، بل من المواقف التي تمتحن القيم في لحظةٍ صامتة. لقد علّمتهم التجربة أن الاحتراف الحقيقي ليس في سرعة الإنجاز، بل في نقاء الدافع، وأن القادة العظام لا يُقاسون بعدد من أطاحوا بهم، بل بعدد من أنقذوهم من الغفلة. هكذا خرجت المؤسسة من التجربة أكثر صلابةً، وأكثر إيمانًا بأن القيادة الرشيدة ليست تلك التي تُعاقب، بل التي تُعيد بناء المعنى بعد كل عثرة. وكتبت الإدارة في تقريرها الختامي جملة تلخّص كل الدروس: “الذي يبيع الإخلاص مقابل الأجر، يخسر الاثنين. أما الذي يمنح الإخلاص لله، فيمنحه الله أجرًا لا يحدّه زمن. ومن يومها، صار شعارهم الداخلي مكتوبًا بخطٍ صغير تحت الشعار الرسمي: “نُنجز بالنية قبل الخطة.”
فاللهم يا من تُقيم الموازين بعدلٍ لا يَخفى، اجعل نيتنا خالصة لوجهك في كل مشروعٍ نبدأه، وفي كل قرارٍ نتّخذه، وفي كل خطوةٍ نخطوها نحو البناء. اللهم لا تجعل طموحنا في الظهور، بل في الإتقان، ولا سعينا في المدح، بل في رضاك. ازرع في قلوبنا يقينًا بأن الإخلاص رزق، وأن الصدق قوة، وأن البركة لا تسكن إلا في عملٍ طابت نيته. اللهم بارك في المؤسسات التي تُدار بالضمير، واهدِ العاملين فيها إلى أن يجعلوا نواياهم عبادةً لا عادة، وإتقانهم شهادةً لا مباهاة. اللهم ارزقنا في كل مشروعٍ بصيرةً تسبق الخطة، وقلوبًا تعمر بالحق، وقراراتٍ تُرضيك قبل أن تُرضي الناس. واجعل شعارنا ما حيينا: “نُنجز بالنية قبل الخطة، ونبني للآخرة قبل المؤسسة.”