|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
كان البحر صامتًا، لكن صمته لم يكن هدوءًا، بل نوعًا من التجلّي. كانت أمواجه تتلو شيئًا يشبه الذكر، وتراتيل الصبر تتعالى من بين الزبد، كأنّها آياتٌ لم تُنزَل على ورقٍ بل على وجعٍ مقدّسٍ اسمه غزّة. أمام شاطئها، يتكئ الليل على جرحٍ قديم، وتبقى النجوم حارسةً لتاريخٍ لا يُروى بالحروف، بل بالدموع والدعاء. هناك، بين الرمل والماء، يحدّث البحر أرواح الصابرين، وكأن الله جعله لسانًا ناطقًا بقلوبهم. قال البحر: يا أهل غزة… أنتم الآية التي لم تُغلق بعد، والرجاء الذي يفيض رغم الحصار. كل موجةٍ في صدري تسجد حين يعلو صوت “الله أكبر” من بين الركام.
الموج يتكلّم
اقتربت منه نسمةٌ دافئة كأنها من زمنٍ بعيد، وسألته: أتبكي يا بحر؟ فأجاب بصوتٍ يشبه الرهبة: لا أبكي، بل أتهجّى وجعكم كما يتلو الغزالي أسرار القلب. لقد كتب يوماً أن “البلاء يُظهر ما في النفوس كما تُظهر النار خَبَث الذهب”، وها أنا أرى فيكم ذهبًا لا تذيبُه نار، بل يزداد صفاءً مع كل امتحان. أمواجه ليست ارتطامًا بالصخر، بل تصفيق الملائكة لصبر الصالحين. كم من أمٍّ دفنت ابنها عند قدميّ، ثم رفعت بصرها إلى السماء وقالت: الحمد لله الذي اصطفاه شهيدًا، حينها يرتجف البحر كما أن في داخله صلاةً لم تنتهِ بعد.
حين تتنفس الأرض صبرها
غزة لا تنام… لكنها تحلم. تحلم بظلّ نخلةٍ لا تخاف الريح، وبطفلٍ يحمل حقيبة لا جرحًا. تحلم بأن يُفتح البحر ذات فجرٍ كما فُلق لموسى، فيعبر الناس من ضيق الأرض إلى رحابة السماء. وكم هي قريبةٌ تلك الصورة من وعد الله: “فإن مع العسر يسرا”، لكن غزة لا تنتظر اليسر… بل تصنعه. تصنعه من فتات الطين حين يُغلق الحصار، ومن صبرٍ أنقى من اللؤلؤ حين تشتد الظلمة. يقول الرافعي: “ما من شيءٍ يُختبر به الإيمان مثل البلاء، ولا من نورٍ يكشف حقيقة القلب مثل الألم.” وإن رأى غزة لقال: ها هنا يقيم الإيمان في خيمةٍ على شاطئ الصبر، يشرب من ملح البحر ولا يظمأ.
العظمة في المجهول
البحر يرى ما لا نراه. كم من أرواحٍ عبرت إليه فوشحها بالسكينة، وكم من أنينٍ التقطه فأودعه في ذاكرته المائية كي لا يضيع. يقول السباعي: “ليس الشقي من ابتُلي بالبلاء، إنما الشقي من حُرم من معناه.” وغزة، يا حبيبي، لم تُحرم من المعنى قط، بل أعادت تعريفه للعالم. لقد تعلّم الناس في مدارسهم أن البحر ماؤه مالح، لكن غزة علّمتهم أن الملح يمكن أن يكون صلاةً حين يختلط بالدمع.
حوار السماء والموج
في الليالي الطويلة، حين يصمت كل شيء، يتحدث البحر مع السماء. تسأله: “أما تعبت من حمل الأنين؟” فيجيب: “وكيف يتعب من خُلق ليحمل أسرار الخالق في صوته؟” هو لا يغضب من السفن التي ترحل ولا من الطيور التي تعود، بل يغضب فقط حين يرى العالم يُشيح وجهه عن غزة كأنها صفحة زائدة في كتاب الحياة. لكنه يعرف – من يقينٍ يشبه وعد الله – أن الحق لا يضيع ما دام هناك قلب يقول: يا رب.
مرآة الله في الأرض
من تأمل البحر حق التأمل، رأى فيه وجه الله في تجلّيه: قوّة لا تُرى، وسكينة لا تُفسَّر. وكذلك غزة، وجهٌ من وجوه القدرة الإلهية حين تتجلّى في الضعف لتصنع المعجزة. الرافعي يقول: “إذا ابتسم الإيمان في قلبٍ حزين، فقد صنع معجزة.” وغزة تبتسم في عزّ الجراح، تستقبل الموت كما يستقبل المؤمن الصلاة – بخشوعٍ وسكينةٍ ويقينٍ أن ما بعد هذا الباب إلا الرحمة.
البحر يشهد
يا من تمرّون على الشاطئ وتنظرون إلى الأفق، اعلموا أن كل موجةٍ تروي حكاية. عن أبٍ مسح الغبار عن وجه ابنه الشهيد وقال: نم يا بني، فالجنة موعدنا. عن طفلٍ حمل كتابه وسط الأنقاض وقال: سأتعلم لأبنيها من جديد. عن امرأةٍ فقدت بيتها وابتسمت: السماء لا تُقصف. كل هذا يكتبه البحر في ذاكرته الزرقاء، لكيلا تُنسى غزة حين يُغلق الإعلام أبوابه، ولكي تبقى في صحائف الخلود كشاهدٍ على زمنٍ كانت فيه الكرامة تُولد من الألم.
رسالة البحر الأخيرة
ثمّ همس البحر، وصوته يشبه دعاء الليل: يا من تقفون على الشاطئ تبكون غزة… لا تبكوا، بل انهضوا من روحها. أنتم مرآة لها كما هي مرآة لكم. أنتم الموج إن نهضتم، وأنتم السكون إن سكتّم. علّموني أن الله لا يترك أرضًا تُصلّي، ولا روحًا تقول “يا رب” وتُنسى. غزة ليست جرحًا، بل وعدًا يتكرّر كل صباح. وإن سألتم البحر عن معناه، قال: “هي قلب الأرض حين يتوضأ بالماء والدم معًا.”
خاتمة كالصلاة
في نهاية المقال، لا تنتهي الحكاية، بل يبدأ تأمل جديد في معنى الابتلاء حين يُثمر إيمانًا، والصبر حين يتحول إلى هوية. غزة لا تسكن الجغرافيا، إنما تسكن ضمير الإنسان المؤمن بأن الله لا يخذل من قال بصدقٍ: حسبي الله. ذلك البحر، الذي كان يومًا صامتًا، غدا شاهدًا على أمةٍ حين أرادت أن تُرى من خلال دموعها، فرفعها الله لتُرى من خلال نوره. فسلامٌ على الموج إذ أطاع، وسلامٌ على الصبر إذ ارتقى، وسلامٌ على غزة… حين تكلّم البحر فصمت العالم.