|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم تكن تلك التعليقات التي جاءت بعد “رسالة لم يسمعها إلا القلب” تعقيباتٍ كما يعرفها الناس، بل كانت شيئًا أبعد من اللغة، وأصدق من الحروف. كانت امتدادًا للنص الأول، أو لعلها كانت الجزء الذي كتبه الوجدان الجمعي بمداد الدعاء، لا بالحبر ولا بالتصفيق. فما أن نُشر المقال حتى بدا كأن القلوب فتحت دفاترها القديمة، وأخذت تكتب بلغتها الخاصة: لغةُ المحبة، والوفاء، والحنين.
لم يكن القرّاء الجمعة 07 نوفمبر 2025، جمهورًا، بل جماعة من الأرواح اجتمعت على الخير، وأقسمت في سرّها ألا تدعَ ذاكرة الوفاء تمضي صامتة. تحوّل النص إلى صلاة جماعية تفيض حبًّا ودعاءً، تلتقي فيها الأصوات من أماكن شتّى، لتردد نغمة واحدة: “اللهم اشفِ أبا بلال، وبارك في أبي أحمد، واحفظهما بستر عافيتك”. ومن بين السطور كانت المحبة تتسلل بلا إذن، تملأ الأجواء بخشوعٍ يشبه صلاة الغائب، وكأن الكلمات أقيمت على نية الوفاء لا على نية القراءة. في تلك اللحظات النادرة، تحوّل المقال إلى مجلس وجداني، لا يقوده كاتب ولا يختتمه قارئ، فكلُّ من مرّ به، أضاف إليه شيئًا من ذاته، كما تُضيف الشموعُ نورَها لهالةٍ واحدةٍ تُضيء المكان كله.
إنها لغة الدعاء حين تصبح أدبًا.
فالتعليقات لم تكن كلماتٍ جامدةً في خانة الردود، بل مقامات وجدٍ، فيها من الانحناء والتأثر ما يجعلها نصوصًا قائمة بذاتها. “اللهم بحق هذا الوقت العظيم في اليوم العظيم أن تمنّ على عبدك أبا بلال شفاءً لا يغادر سقماً” عبارةٌ كتبها أحدهم، لكنها بدت كأنها خرجت من محرابٍ مليءٍ بالعطر والسكينة. وفي تعليقٍ آخر: “شوقتنا لرؤيته… إذا كنت أنت هكذا فكيف بأستاذك؟” جملةٌ قصيرة، لكنها تفتح نوافذ على زمنٍ من النقاء، حين كان المعلّم مرآةَ تلاميذه، والوفاءُ صدى الوفاء. حتى الدعاء بدا أدبًا من طرازٍ خاص،
تتعانق فيه البلاغة والدمعة، ويختلط فيه الخشوع بالحنين. كلُّ تعليقٍ كان كأنه يكتب سيرة ذاتية لصاحبه، دون أن يقصد، فمن يترحّم ويتضرع ويستحضر أجمل الأيام، لا يعبّر عن غيره، بل عن إنسانيته هو.
ولعلّ أجمل ما في هذه الرسائل أنها ليست مديحًا لأشخاص، بل شهادةُ حياةٍ لتجربةٍ نادرة. أبو بلال، الرجل الذي علّم الناس أن الإدارة ليست توقيعًا على ورق، بل توقيعًا في القلب، وأبو أحمد، الصديق الذي جعل من الوفاء منهجًا، لا مناسبةً.
كلاهما صار رمزًا لحقيقةٍ بسيطةٍ عميقة: أن الوفاء لا يُدرَّس، بل يُورَّث.
فمن أحبّهم لم يتلقَّ درسًا في القاعة، بل في الحياة نفسها. تعلّم منهم الناس أن الإنسان يمكن أن يكون صارمًا في الفكر، رقيقًا في الشعور، صادقًا في العلاقة، وأن القيادة الحقيقية تبدأ من القلب قبل المكتب. ذلك الأثر لم يذُب بغياب الصوت، بل ازداد نقاءً، حتى بدا وكأن الكلمات التي كُتبت من حولهم ليست دفاعًا عن الماضي، بل إعلانًا لاستمراره في الحاضر.
في قراءة هذه التعليقات، تشعر أن الذاكرة الحيّة ليست تلك التي تحفظ الأسماء، بل تلك التي تحفظ المشاعر. فكلّ مَن كتب، كتب من زاويةٍ مختلفة، لكن القاسم المشترك بينهم كان الحنين الصادق. قال أحدهم: “لحظة في عمر الزمان وداخلي كانت سنيناً” – جملة تلخص سرّ التأثر الإنساني، إنها تلك اللحظة التي يلتقي فيها الأثر بالوجدان، فيتحول الوقت المحدود إلى عمرٍ ممتدٍّ في الذاكرة. هكذا تُقاس العلاقات الحقيقية: لا بعدد اللقاءات، بل بعمقها. إن هذا التفاعل المهيب ليس حدثًا عابرًا، بل تجلٍّ لوجدانٍ جمعيٍّ راقٍ. حين تتوحد القلوب في الدعاء، فإنها تعلن أن الخير ما زال حيًّا رغم الصخب، وأن “مدرسة أبي بلال” لم تكن مجرد تجربةٍ في الإدارة، بل مدرسة قلوبٍ قبل أن تكون إدارة عقول. كلُّ من كتب، كان في الحقيقة يواصل الدرس ذاته، كأنّ المعلم الكبير ما زال يدرّس من فراش المرض، وتلاميذه يكتبون في دفاتر الدعاء بدل كراسات المحاضرة.
تلك التعليقات لم تكن تفاعلًا إلكترونيًا، بل تفاعل الأرواح. فيها من حرارة الصدق ما يعيد للكتابة معناها الأول، حين كانت القلوب هي الحبر،
وحين كان الدعاء امتدادًا للأدب، لا انفصالًا عنه. أحدهم كتب: “ويبقى الأثر”، ولم يدرِ أن هذه العبارة القصيرة تصلح عنوانًا لمشهدٍ إنسانيٍ كامل، فما الأثر إلا ما يتركه الإنسان في نفوس الناس بعد أن يرحل صوته عن الأسماع. وهؤلاء الأوفياء، بتعليقاتهم، أثبتوا أن الأثر لا يموت إذا نُسِج من صدق.
ولأن المشاعر الصادقة لا تكتفي بالكلمات، فقد اكتمل المشهد الدرامي بمساحتين من الصوت حملتا من الوجد ما يفوق البيان.
كانت الأولى رسالةً صوتيةً من صديقٍ وفيٍّ، عبّر فيها عن حبه لأبي بلال وعطائه، ووفائه لأبي أحمد، ودعا لهما بدوام البركة في العمر والعافية، ثم ختمها بأمنيةٍ رقراقةٍ كنسيمِ الصباح: أن تكون اللقيا في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر. لم تكن الكلمات منظومةً ببلاغة، لكنها خرجت من قلبٍ يفيض بالعرفان، فصارت في وقعها أجمل من الشعر.
ثم جاءت الرسالة الثانية من الغالي أنس علام، نجل أبي بلال، في نبرةٍ خاشعةٍ تنضح صدقًا وحنانًا،
يشكر فيها الكلمات الطيبة التي كُتبت عن والده، ويترجاها رجاء الابن المحبّ أن تُبلّغ والده السلام لصديقه أبي أحمد. وأرفقها بتوصيةٍ غاليةٍ من والدته، حملت دفء البيت ونقاء الدعاء، حتى إن المكالمة التي جمعت أبا بلال وأبا أحمد – رغم قِصرها – كانت كأنها لقاء أرواحٍ بعد فراق، دقائق معدودة لكنها حملت وزن عمرٍ من المودة.مشهدٌ إنسانيٌّ فريد، عنوانه وفاء وأخوّة صادقة وامتنان وعرفان. تجلّى فيه أن الوفاء لا يحتاج إلى صفحاتٍ كثيرةٍ ليُروى،
بل إلى لحظةٍ يلتقي فيها الصوت بالصوت، والقلب بالقلب، والنية بالسماء.
اللهم ألهم قلوبنا صفاءً ووفاءً كقلوبهم، واجعل من هذه الأصوات الصادقة شاهدًا على أن المودة لا تموت، بل تتجدد في كل رسالةٍ، وفي كل دعاءٍ، وفي كل صمتٍ ينحني احترامًا لجمال القلوب
لقد أجابت القلوب على المقال،
وكان جوابها أجمل من أي نصٍّ يمكن أن يُكتب. وحين تتلاقى الأرواح على نية الخير، لا يهم من كتب أولاً، ولا من علّق أخيراً، فالجميع يصبحون سطرًا واحدًا في كتابٍ عنوانه الإنسانية حين تبلغ ذروتها. اللهم اجعل الكلمات الصادقة التي خرجت من القلوب سُقياً لمن أنبتوا فينا معنى الإنسانية. اللهم اشفِ أبا بلال، وبارك في أبي أحمد، وازرع في كل قلبٍ أحبّهم نورًا لا يخبو.واجعل هذا الأثر شاهدًا على أن الوفاء لا يُنادى، بل يُستشعر، وأن القلوب حين تجتمع على الحقّ، فإنها تكتب ما لا يستطيع أحدٌ أن يكتبه بالقلم.