|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
كانت الجامعة في ذلك اليوم تشبه قلبًا يخفق بشغف غير مألوف. الساحات نظيفة، العيون تلمع، والوجوه بين رجاءٍ وتوترٍ تتأهب لاستقبال المسؤول الكبير، رجلٍ تجاوز الألقاب حتى صار عنوانًا للمهابة، لكنه يحمل في ملامحه وديعة الأب الذي يتذكر أول كتابٍ قرأه لا أول منصبٍ تقلّده. دخل الموكب. كان الصمت يسبق الخطى، والأنفاس تتقاطع بين انتظار وإعجاب.
وقف مدير الجامعة في مقدمة الاستقبال، بثباتٍ المتمرّس وخبرة الأكاديمي الذي يرى في الزيارات الرسمية فرصةً لإبراز إنجازٍ أو إخفاء خللٍ، ثم اصطفّ الأساتذة والطلاب على جانبي الممر الطويل، كأنهم لوحة من وجوه الأحلام والاحتمالات. غير أن المشهد لم يخلُ من مفاجأة. بين الحضور، كان هناك طالبٌ لم يتقن فن التجمّل، وقف وفي عينيه صدق المبتدئ وثقة الموهوب. كان يحمل بين يديه ملفًا صغيرًا، ليس فيه شكوى، بل فكرةٌ تطمح أن ترى النور. ولمّا اقترب المسؤول الكبير، التفت إليه مدير الجامعة قائلاً بابتسامةٍ تحمل ظلاً من التعالي: “هذا الطالب يا سعادة المسؤول ما زال يتعلّم أبجديات الانضباط، يحاول أن يلفت الأنظار بأفكارٍ أكبر من عمره.”
ساد المكان صمتٌ ثقيل. لكن الطالب لم ينكس رأسه كما توقع الجميع. رفع نظره نحو المسؤول الكبير، وقال بصوتٍ هادئٍ مفعمٍ بالأدب: “سيدي، إن كان في أفكاري أخطاء، يغفرها حضورك.” كانت الجملة كالسهم النبيل، خرجت من قلبٍ واثقٍ لا يتحدى، بل يطلب ضوءًا لا صفعة. تغيّر وجه المسؤول الكبير، ونظر إلى الطالب طويلاً، ثم قال للمدير بنبرةٍ فيها من الحنان ما يفوق الملامة: “أحيانًا يا دكتور، تُقاس الجامعات لا بعدد مبانيها، بل بعدد القلوب التي تجرؤ على التفكير. ومن لم يُخطئ، لم يتعلم كيف يُبدع.”
تلك اللحظة، كما لو أن التاريخ أوقف عقارب ساعته احترامًا لعبارة خرجت من فم طالبٍ آمن أن الكلمة الصادقة قد تغيّر مجرى يومٍ بأكمله. أشار المسؤول إلى الطالب بأن يقترب، وتناول الملف من يده، وبدأ يقرأ. لم يكن في الملف مشروعًا ضخمًا ولا معادلةً خارقة، بل اقتراح بسيط حول تطوير تجربة التعليم العملي لطلاب الكليات التطبيقية – لكنه كان مكتوبًا بضميرٍ حي، وبتوقيعٍ صغير تحته عبارة: “الحلم لا يُؤجل.” ابتسم المسؤول، وقال للحضور: “هذه العبارة تختصر فلسفة الأمم التي تنهض. فالمشكلة ليست في كثرة الأخطاء، بل في خوف الناس من أن يُغفر لهم خطأ واحد.” وتنفس المكان برائحة الاحترام.
منذ ذلك اليوم، صار الطلاب يتناقلون الجملة كوصيةٍ أخلاقية لا تُنسى: “لو في أخطاء، يغفرها حضورك”، فقد علّمتهم أن الاعتراف بالنقص ليس ضعفًا، بل ذروة النضج. المدير نفسه عاد إلى مكتبه في صمت، يراجع دفتر ملاحظاته القديمة، ويتساءل بينه وبين نفسه: هل كان يومًا مثل ذلك الطالب؟ هل نسي لحظة الصدق الأولى التي منحته مقامه الأكاديمي قبل أن تسرقه المراتب والمناصب؟ في المساء، كتب في مفكرته: “كلما كبرت المناصب، صغرت المسافات بين الخطأ والغفران. ما يعيد التوازن ليس الصواب وحده، بل الاعتراف الصادق حين نخفق.”
في روايات العظماء الذين لم يُعرفوا كثيرًا، نجد جذور هذا الموقف تتكرّر بأشكالٍ مختلفة. يروي المؤرخ الإسباني خوان راميريز دي لا فونت: أن أحد طلابه في القرن السابع عشر، قال لشيخه يومًا بعد أن عجز عن حل مسألةٍ رياضية: “أستاذي، أعذر جهلي، فقد حاولت أن أكون على صوابٍ فزلّت قدمي.” فأجابه شيخه: “من زلّت قدمه في طلب الحق، فقد ثبت في طريقه أكثر ممن جلس يخاف الوقوع.” وكذلك كتب ليانغ تشو في إحدى مذكراته: “الخطأ الأول الذي يغفره المعلم لتلميذه، يخلق منه إنسانًا أفضل من ألف درسٍ عن الكمال.” هؤلاء العظماء المجهولون لم يصنعوا مجداً أكاديميًا فحسب، بل أعادوا تعريف الخطأ بوصفه بابًا من أبواب التواضع، والحضور بوصفه رحمةً لا سلطة.
في ذلك الموقف البسيط في الجامعة، لم يكن الطالب يطلب تبريرًا ولا إعفاءً، بل كان يقدّم درسًا في الذكاء العاطفي قبل أن تُعرف نظرياته. فالكلمة التي قالها لم تُصغ من ضعف، بل من قوةٍ مؤدبة. إنها لغة من يعرف أن الخطأ ليس نهاية الطريق، بل دعوة لأن تُكمل الرحلة بنور من غفر. تمامًا كما قال الرافعي يومًا: “ليس في الإنسان أصدق من لحظةٍ يخاف فيها على صدقه أن يُساء فهمه.” وهنا تجلت عبقرية الطالب، فهو لم يردّ على مديره بردٍّ متوتر، بل بحكمةٍ لينة جعلت المسؤول الكبير يرى في أدبه مشروع قيادةٍ مستقبلية.
تكررت زيارات المسؤولين بعد ذلك، لكن تلك الزيارة بقيت الوحيدة التي شهدها التاريخ. لأنها لم تخلّد اسم مسؤولٍ ولا مديرٍ ولا حتى طالب، بل خلدت معنى: أن الحضور الحقيقي لا يُقاس بعدد الألقاب، بل بمقدار الغفران الذي يسكن القلب. منذ ذلك اليوم، عُلّقت على جدران الجامعة لوحة نحاسية نُقشت عليها العبارة ذاتها: “لو في أخطاء… يغفرها حضورك.” لكن أحد الأساتذة المخضرمين كتب تحتها بخطه المتعب: “والأجمل ألا نغيب عن حضورٍ يغفر.”
إنها فلسفة متكاملة في إدارة الحياة قبل إدارة المؤسسات. فالمسؤول الكبير لم يكتفِ بأن يُعجب بالطالب، بل أصدر توجيهًا بأن تُدرس مقترحاته التجريبية ضمن مبادرةٍ بحثية، ومنحه منحة صغيرة تشجعه على مواصلة فكرته. ثم قال في نهاية زيارته للطلاب: “أخشى أن نعيش زمنًا يُخيف الناس من الخطأ أكثر مما يُلهمهم للصواب. فاجعلوا في حضوركم مساحةً للغفران، لأنه لا يُبدع إلا من شعر أن فشله يُحتضن لا يُعاقب.”
وهكذا خُتم اليوم الذي لم يشهده التاريخ، بعبارةٍ واحدةٍ اختزلت كل ما تعجز عنه النظريات والمحاضرات: أن حضور الكبار لا يُقاس بالكلمات التي يقولونها، بل بالسكينة التي يتركونها في القلوب. تمامًا كما يقال: “العظمة الحقيقية لا تُقاس بعلو الصوت، بل بقدرة الصمت على منح الآخرين أمانًا ليكونوا أنفسهم.” في نهاية اليوم، وبينما كانت الشمس تغيب خلف مباني الجامعة، وقف الطالب في الممر الطويل نفسه، ينظر إلى اللوحة النحاسية، يبتسم كمن يعرف أن الصواب لا يُولد من الكمال، بل من صدقٍ يجرؤ أن يقول: “لو في أخطاء… يغفرها حضورك.”